جدارية حب

"رحاب شنيب"

تأخذك الدهشة حين تشاهد الجدارايات؛ تتساءل عمن سبقوك كيف عاشوا؟ وتأسرك الغبطة حين تتصفح صوراً قديمة لعائلتك، حتى أقربائك الذين لم تلتقهم، تصنع الصورة جسر ألفة بينك وبينهم داخل ذكرياتك، تأسرك الوجوه والملابس والأغراض المتناثرة  والأماكن.

فبعض الأماكن شقائق الروح ترافقنا في كل خفقة قلب، وتُرَبِتُ على أكتافنا أوان الشوق، يمر عبرها صور الأحبة فتتأنق الذكريات بحضورهم البهي. هذه الأماكن التي كانت تؤوينا صرنا نؤويها وصارت حكاياتها معزوفتنا الأثيرة، هذه الأماكن تأسر حواسك؛ فأنت لا تتذكرها وحسب بل تتذوقها وتشم عبقها، ففي المدينة التي تستلقي على البحر متكئة على الجبل تتمايل ضفيرتها شلالاً يهب أهلها شغفاً بالأعشاب العطرية وتميزهم بأطعمتهم وذلك لخصوبة سوانيها باذخة الارتواء. هناك يقع بيت جدي بسانيته وساحته الخلفية حيث شجرة التين الضخمة والتنور، كنا نقضي أجمل الأيام المزدانة بالفرح، تطرب قلوبنا في كل عيد ونحن نسافر عبر الجبل الأخضر ذاهبين من بنغازي إلى درنة لتجتمع العائلة على ضفاف لقاءات جذلى.

أتذكر جدتي بالوشم على وجهها ويديها، وبالتكليلة والأساور وردائها مع قميصه ذات الألوان الزاهية، كنا ننتظرها وهي ترمي الخبز في التنور وكيف تجتمع عائلتنا على موائد الطعام. أتذكر والدي الذي يحدثك عن نكهة الطعام كعازف يداعب أوتار آلته بشغف، وكيف كان يستمتع بجلسة الشواء وهو يطلب منا التذوق كدعوة إلى الرقص، في هذا المكان للرائحة والنكهات حضورهما الآسر: الورد البلدي الذي تضعه النساء في كؤوس الماء، ماء الزهر الذي تهوى الدرناويات تتويجه في أطعمتهن، الحساء الدرناوي بخلطة الحباش خاصته، حتى مشروب "صداقة" يجمع في مذاقه الذاكرة الدرناوية، وكان لليمون سيرته الخاصة بنا؛ فعلى امتداد السانية حيث كنا نلعب تتوزع أشجاره،  وخلال شطحاتنا الطفولية نقطفه ونحن نتسلق جذع الشجرة، أو نقذفه بالحجر والعصي، ثم نقوم بتقشيره أو تقطيعه ورش الملح أو السكر وتوزيعه على الأطفال.

كنا نجوب السانية وكأننا نمتلك العالم، نستكشف ما خلف الأسوار، نلعب مع الخرفان، نخربش بالأعوادِ الترابَ حتى نلتقط الديدان لننصب فخاً للعصافير، ونتسابق في اصطياد الضفادع من جدول الماء ثم نرجع ليلاً لنجلس في حضرة جدتنا فتسافر بنا إلى عالم الخرافة والألغاز وهي تدندن "نخرفلكم خرافة، وسبع صبايا في قصبايا جت الغولة تأكلهن"، ونحن نتسابق لحل ألغازها وهي تقول: "يخش القش وما يخربش؟". كانت ظلالنا تنعكس على الحوائط لترسم جلسة الكبار حولنا في وئام.

الساحة الخلفية  صندوق الكنز لذاكرتي؛ أفراح عائلتنا تزدان بصوت الطبل والزغاريد، عندما يجتمع الرجال والنساء في حلقة مرددين الأغاني الشعبية، ويوزعون المشروبات الغازية من صناديقها البلاستيكية و أكياس المكسرات والكعك، جلسات العائلة في الأعياد ومسامراتهم، كلها تعلق في الذاكرة كمنارة على ضفاف الروح.

أحب هذه الساحة وأشعر بتعلقي بها، حيث خط والدي على إحدى جدرانها حروف اسمه ممزوجاً بحروف اسم أمي، وكأن هذه الخطوط  كلمة السر لمغارة  الوجود، منها عرفتُ كيف تتشابك الأرواح وهجأتُ أبجدية الإنسان؛ وكأن أبي كتب سيرة الحب.

في الصورة حيث جزء من الساحة و الجدار والكلمات والمطر، حيث الأطفال يحتمون بالمظلة. جدتي تتجول مسترسلة في روتينها، في الخلف منهمكين في إعداد الطعام، حذاء إحداهن بجانب الجدار، الواقفة في الخلف والمتلصصة من الباب، نظراتهم للكاميرا هي نقطة مسافة إنسانية تصلني في كل لحظة أشاهدها، هذه الصورة قبل أن أكون؛ فهي تحكي عمن سبقوني وكيف مضيت نحوهم، لعبتُ حيث لعبوا  واحتفيتُ بجدارية حب نُقشتْ على قلبي أتحسسها كل لحظة شوقٍ لوالديّ.

مواليد بنغازي، شاعرة وقاصة وناشطة ثقافية ومدنية. صدر لها عدة دواوين ومجموعات قصصية. مستشارة ثقافية ورئيس قسم البرامج الثقافية بمكتب الثقافة بنغازي، رئيس مجلس إدارة تجمع تاناروت للإبداع الليبي.

رحاب شنيب
Next Story
مسرحية ارتجالية
Previous Story
ولكن، للآن سأكتفي