مسرحية ارتجالية

"رزان نعيم المغربي"

بين حين وآخر نلجأ إلى ألبوم الصور لنحرر الذاكرة، ولكن بامتلاك الشجاعة لنتصالح مع الوقت الذي مضى بين لحظة التقاط الصورة ومشاعرنا آنذاك واللحظة التى نتأملها بعد مضي زمن عليها. لا ننسى أن للصورة جاذبية تنقلنا نحو متعة استعادة لحظات سعيدة في لمح البصر، في إيجاز وتكثيف بعيد عن ثرثرة الحكايا، بل تصبح الصورة مصدر الحكاية الموثقة التي نرويها  باطمئنان شديد.

كانت الغواية لتحرير الذاكرة تختبئ داخل ملف تصفحته في ليلة من ليالي الحجر الذي فرض علينا، عنوانه (رحلة إلى شحات)، الملف مزدحم بصور كثيرة تكاد تروي حكاية ثلاثة أيام أمضيناها بين بنغازي وسوسة وشحات، وكانت بمناسبة تنظيم أمسية شعرية لشعراء من تونس وليبيا وتضمنت جولة في الجبل الأخضر، كنت وقتها من شارك وخطط للتنظيم رفقة الزميلة الصحفية زينب شاهين والزميل الشاعر اهليل البيجو.

ذهبنا من طرابلس كتاباً وصحفيين إلى بنغازي رفقة ضيوفنا من تونس، وبعد الأمسية الشعرية صباح اليوم الثاني ركبنا الحافلة واتجهنا في تلك الرحلة، نتجول بين الآثار والطبيعة الساحرة، ووصلنا إلى (قورينا الأثرية).

أتذكر وأنا أصعد الدرجات الصغيرة خلف قوس المسرح وأظنها كانت الأدراج الخاصة بالممثلين الذين يظهرون على الركح؛ لأنها متوارية خلفه، ومن خلال فتحة صغيرة ندخل إليه. في تلك اللحظة التفت إليَّ الصديق المسرحي منصور بوشناف واستنجد روح المسرح والطرافة فيه، واقترحت أن نقدم عرضاً ارتجالياً، هز برأسه موافقاً وصدقته مثل عادتي، وخذلني ضاحكاً مثلما يحلو له أن يفعل بأصحابه متقصداً بالطبع أن يورطني بما اعتقدته من خلق موقف كوميدي لكل المشاركين معنا.

تورطت ووقفت على المسرح وخلعت حذائي الصيفي -لا أدري لماذا ولا أتذكر السبب- وأعلنت أننا سنقدم مسرحية، لم أكمل بعد جملتي حتى صعد الكاتب والمخرج علي الفلاح والشاعر محمد الدنقلي، ولحق بنا الشاعر جابر نور. انهمكنا في صياغة حكاية ارتجالية، ولأنها رحلة كان برفقتنا بعض الأبناء، لصقت بي ابنتي وابنة الصديقين جابر وزينب الطفلة شهد، كانتا طفلتين استمتعتا بما يجري من لعب فوق الركح، وكان لديهما إصرار على مشاركتنا.

حانت مني التفاتة إلى المدرج، كان جميع أعضاء الرحلة قد جلسوا فعلاً في انتظارنا، ومعهم منصور بوشناف يصفق لنا ويضحك.

في مسرحيتنا قمنا بأدوار رسمها لنا المخرج علي الفلاح، وكنا نفشل في كل مرة ثم نعيد تمثيل المشهد بطريقة مختلفة ويعود المخرج لمقاطعتنا، كنت البطلة وكان الدنقلي وجابر نور يتصارعان على لفت انتباهي، لكن في لحظة ما لا أتمكن من ضبط نفسي وأضحك، بينما جمهورنا يصرخ ويشجعنا مرة، ثم ينهرنا مرة أخرى لمتابعة التمثيل الارتجالي.

بصدق لا أتذكر كيف انتهت المسرحية، لكن الصور بقيت شاهداً على تنفيذ فكرة ممتعة لمبدعين من بلادي.

مواليد دمشق، كاتبة وروائية. عملت في الصحافة ونشرت في العديد من الدوريات والصحف والمجلات العربية. تم ترشيح روايتها “نساء الريح” لجائزة البوكر العربية، وترجمت للإيطالية والهولندية.

رزان نعيم المغربي
Next Story
تعالوا، شوفوا هذه الصورة
Previous Story
جدارية حب