تعالوا، شوفوا هذه الصورة

"رضا بن موسى"

كل صورة هي لحظة في الزمن، لحظة خضراء يانعة. في المدينة القديمة بطرابلس الغرب وفي فسحة فضاء البيت ملعب الطفولة البكر، يقف الطفل على أرضية تزدان بمربعات الأسود والأبيض متلفعاً في ثوبه البسيط المخطط بالرمادي والأسود الموروث عن أخته الكبرى، يتطلع على نحو عفوي إلى العين العجيبة التي تلتقط حضوره.

آلة سحرية ترشقه بوميض نجمة تتلألأ في ضوء النهار الصيفي، مترافقاً ومتوحداً مع قطته البيضاء التي تبدو حائرة فيما يدور حولها؛ ربما تتساءل لماذا يقف صديقها وحيدا وهي لا ترغب أن تكون بعيدة عنه؟ لماذا توقف عن اللعب يا ترى وهذا ليس من عادته؟ وربما تنتبه لإيماءة باتجاهها من شخص خارج الكادر (يبسبس) لها لإبعادها عن المشهد، وهو لا يدرك ما يضفيه جمال وجودها من معنى ومن مغزى، أو ربما تتوقع أن تمنح من الحاضرين شيئاً يسد الجوع، أو ربما تحدق في الأرض تتربص لصيد الدخلاء الذين لا يحبذ حضورهم في بيت قديم تنهشه الرطوبة، ولتعزز حق وجودها في البيت وليس في الصورة فقط؛ فالقطة (ماو) جزء أصيل من أعمدة البيت، عليها أن تؤدي دورها بجدارة مثلها مثل بقية الساكنة حتى تكتسب المكانة اللائقة، لتصبح غصناً مبهجاً من شجرة الأهل، صديقاً محبوباً لطفلهم، ولتحصل على الجائزة بالدخول في كادر الصورة بعد الحضور في تأريخ العائلة.

انظروا إلى الطفل وهو يستند إلى حائط عتيق يحمل آثار بصمات تاريخ أزمنة غابرة؛ شهدها صابراً ورافق عبرها أجيالاً من العائلة، من بداية وضع اللبنات الأولى في بنائه بعد العودة من النزوح الكبير إلى تاجوراء، إثر اعتداء أثيم من قراصنة يتقنعون بغطاء التعصب الديني، وحتى زمن الخروج من رحم الولادة الأولى لكيان وطن يعلن استقلال دولته فقيراً معدماً؛ إلا من خبز الكفاف وأسمال بالية يتدثر بها أبناؤه، وهم يتهجون قراءة حروف كتاب الحلم بآمال نهضة قادمة.

ولتعلموا أن هذه الصورة التقطت -كما دون في خلفيتها- في العام 1954  من قبل الصحفي الشاب فاضل المسعودي، الذي وهو يؤرخ اللحظة العابرة ينسق حروف المحبة للإنسان الذي يتخلق حراً، يبذل الجهد وينزف العرق مكابداً جمر السنين الطويلة، في حياة مجتمع يولد ويشب ويتخطى العتبات الأولى، في صورة تصبح محطة في زمن يطير على أجنحة الحلم بمدينة جديدة وعالم جديد أكثر عدلاً وجمالاً وبهجة.

فتمهلوا وأنتم تشاهدون الصورة، وتمهلي أيتها اللحظة الجميلة واحتفظي بالصفاء والبراءة والبساطة؛ فلا تزال منك في خاطري جذوة حب لا تموت، وملامح وعلامات ومشاعر لا تغيب، ولدت معنا وتعيش معنا، تتعلم المشي، تتبرعم وهي تزهر وتخطو ممتلئة بعبق عطر ورودها، تنشد معنا -عبر تطلع الطفل والقطة- أفقاً يتسع باتجاه الحرية، يزدان شيئاً فشيئاً بألوان قوس قزح.

تعالوا شوفوا؛ لتشاركوا الطفل الذي في داخلي والطفل والقط اللذين في الصورة، هيا تعالوا فالبراءة والبساطة والانفعال مع كل جميل وكل ما يخيل لنا أننا فقدناه، لا يزال يعيش معنا هنا والآن.

مواليد طرابلس، كاتب وناشط سياسي. عضو مؤسس ورئيس الجمعية العمومية للجمعية الليبية للفنون والآداب، بطرابلس.

رضا بن موسى
Next Story
كيف تعلمنا أن نكون ليبيين في اليمن السعيد
Previous Story
مسرحية ارتجالية