ربّاي العناقيد

"زكريا العنقودي"

لم تكن النخلة الطابونية حين غرسها جدي مصطفى قديما سوى "فسلة" أخرى يضيفها لمجموع نخلات سواني شارع البي التي أسهم بغزارة في نثرها بالمنطقة، خاصة في أراضيه. النخلة لم تخذل اهتمامه الشديد بها فتجذرت ونمت بما سر خاطره، وصارت  مصدر فخاره. في نهاية الخمسينات والستينات تحولت السواني إلى شوارع وأزقة ومربعات سكنية هي البيوت التي نسكنها الآن، وترتب على ذلك اختفاء كل تلك النخلات، إلا تلك النخلة التي عادت أخيراً إلى ابن أخته وزوج ابنته الوحيدة والدي .

 

كان الوالد قد أعد خريطة على طراز السبعينات، واشترط المهندس الذي أعدّها وسيشرف على تنفيذها على أن تقطع تلك النخلة من جذورها لزوم  "التمالي" و "الكتينة"؛ خاصة وأن بيتنا سيتكون من طابقين،  فما كان من جدي إلا أن قذف الخريطة على "طول إيده"  وقال لأبي: "النخلة براسي يا محمد، وين نموت اقطعها."  في منتصف 1976  كان البيت جاهزاً، تتوسطه النخلة.

 

لم ينعم الوالد طويلاً بمشروعه، فأخذه الله إليه وشمله برحمته في بداية الـ 77، وعدنا نحن أسرة وبيتاً ونخلة لكنف جدي مصطفى.

 

الفسلة التي غرسها جدي آخر الأربعينات عاشت ملكة ببيتنا وتطورت علاقتنا معها مع الأيام، أمي رأتها مراراً في المنام كرجل صالح يرتدي البياض وبلحية بيضاء، يهديها أحياناً من معينه فتصحو وهي تطير من الفرح وتردد "جاينا خير"، وحين تراه عبوساً لا يمنحها حتى النظر تصحو مرتجفة؛ وتقيم الدنيا ولا تقعدها موقنة بأن حدثاً جللاً سيحل بالعائلة.

 

كبرنا مع الوقت، واقترب جدي من أعتاب المائة، وزادت النخلة من كبرها وتطلعها لمعانقة السماء. ابتعدت عن سطح غرفة السطوح وصعب الأمر على جدي، أعاننا عامل في جمع حصادها وقسم جدي محصلوها حصصاً لكل جار، وكل صديق، وكل قريب؛ كلٌ كانت حصته تصله لبيته كل خريف.

 

في 2003  أخذ الله أيضاً جدي إليه، وبعدها بعشر سنوات ها أنا مقيم  بزوجتي وولدي في الغرفة التي تجاور النخلة. بعد أن ضاق الحال ولم أعد أستطيع الاحتمال أكثر قررت أن أشيّد لي بيتاً على سطح ذلك البيت، كنت قد فقدت الأمل في استعادة رزق جدي الذي استولت عليه الدولة في السبعينات.  لم أحضر مهندساً كما فعل أبي لأصمم البيت، بل أحضرت صديقي مختار نشنوش،

أخبرته قصة المهندس وجدي وأبي والنخلة وقذف الخريطة، كانت فكرة قطع النخلة التي استقررت عليها شاقة عليّ، وكانت أمي وأخواتي يبكين؛ فالنخلة بنظرهن الأثر والعطر الأخير الذي تركه لهن جدي مصطفى العنقودي.

 

قلت لمختار: "أرأيت، ليس بينها وهذا الحائط سوى بعض السنتيمترات، لقد أهلكت "الحيط"!

"حيط عينك تتكي عليه النخلة، النخلة ما توقف إلا على حيلها"، رد عليَّ مختار ساخراً.

 

كان يوماً صافياً، وكانت النخلة في هيبة صمتها. وقفت تحتها في لحظة سكونها تلك وتتبعت جذعها الضخم وهو يحاذي الحائط، فعلاً لم تكن النخلة تلمسه؛ بل إن جذعها كان يسحب نفسه بعيداً ويرسم له شكلاً آخر كلما برز نتوء في الجدار.

 

أدرك مختار حيرتي، التفت إليَّ قائلاً: "ابني حوشك ولو معوجاً ولا تقرب النخلة، أسعد والدتك وأخواتك وأسعد نفسك، فهذه ليست مجرد نخلة؛ إنها روح ذلك الذئب التي لم تغادر البيت."

مواليد طرابلس، كاتب وصحفي وإعلامي يغطي الفنون والثقافة، نشرت مقالاته في العديد من الصحف والمواقع مثل بلد الطيوب، ليبيا المستقبل وقناة 218.

زكريا العنقودي
Next Story
أنساك
Previous Story
كيف تعلمنا أن نكون ليبيين في اليمن السعيد