الساطور

"شريف ادهيميش"

الصورة ليست كذبةً بالضرورة، ولكنها ليست حقيقةً أيضاً؛ إنها أقرب لانطباع ذاتيٍّ عابر.

-   جون بيرجر

 

التُقِطَتْ هذه الصورة في لنكلن فولس، شمال يوركشاير، إنجلترا، حوالي 1997-1996. أنا من التقطها. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري؛ لهذا تجد أن بؤرة الصورة وتركيبها ليسا جيدين، ولكنها مع ذلك صورةً ممتازةً فقد تمكنتُ فيها من التقاط النشاط المجنون لأختي الصغيرة هناء (على اليمين)، ولغة الجسد الخرقاء لأختي زهرة التي ولجت لتوها عتبة المراهقة.

وجه أمي الجميلة ساطع كالشمس، محاطة بأبنائها وزوجها في المكان الذي مازلت أعتبره أجمل بقعة في العالم. يبدو أبي أيضاً سعيداً، مرتدياً أزياء التسعينات، على رأسه قبعة عنابية اللون فقد بدأ الصلع في ذاك الوقت يغزو رأسه وهو أمرٌ كرهه بشدة.

في تلك الفترة من الزمن كان قد مضى على وجود أبي خارج وطنه ليبيا أكثر من 20 عاماً بعد أن غادرها في 1975 وهو في التاسعة عشرة من عمره، وقضى في إنجلترا من حياته أكثر مما قضاه في ليبيا. قبل هذه الصورة بسنة أو أكثر توفيت أمه جدتي سالمة، التي لم نرها ولم نتمكن من توديعها. هذا الأمر أثَّر في والدي جداً وبدأ معه معركة طويلة مع الاكتئاب.

 

بعد هذه الصورة بسنواتٍ قليلةٍ بدأ أبي ينشرُ رسوماً ساخرةً مضادةً للقذافي في موقع ليبيا وطننا تحت اسم "الساطور"، وكان منذ سنة 1980 ينشر أعمالاً في الصحافة المطبوعة تحت أسماء مستعارة أخرى مثل "عمران"، لكن سنوات التسعينات تميزت بتفرغه لدراسته وممارسته فنه.  حينها بدأ عشقه لموسيقى الجاز وفنانيها مثل مايلز دايفز وثَلونيوس مونك؛ ارتباطه بهذا النوع من الموسيقى أدى إلى تغييرات عميقة فيه، فقد تغيرت طريقة تفكيره وأسلوب فنه.

 

أنا أحب ذكريات الطفولة، لكنها مشوبةٌ بحزنٍ طاغٍ طارد أبي كظله وهو أمرٌ يصعبُ عليَّ استيعابه؛ فهو لم يتمكن أبداً من العودة لبنغازي والمشي على ترابها، ولا احتضان والديه وإخوته. نشأتُ وأنا أتخيل ليبيا سنوات الستينات، ليبيا التي نشأ فيها أبي، فقد وصف لي أبي الروائح والحر والتضاريس بأسلوبٍ ساحرٍ وعبر وصفه بدت لي ليبيا جنةً، جنةٌ لم نتمكن من زيارتها سوياً.

 

لكن ليس كل ما في تلك العينين حزناً؛ فقد كان أبي فخوراً برحلة حياته خاصةً في تلك الفترة. تخرج قبلها بقليل ليصير أستاذاً للفنون في معهدٍ محليٍ عالٍ وحسَّن من وضعه ووضع عائلته، ونجح في كل هذا.

 

مازال الناس يتذكرون أبي باسم "الساطور": الفنان اللَّاذع السخرية، لكنه كان بالنسبة إليّ ولعائلتي "أبي"، أبٌ مرحٌ وذكيٌ ومستمعٌ صبور. لعلَّ هذه الصورة لا تمثل الحقيقة الكاملة، لكنها قطعاً ليست كذبة؛ فهي انطباعٌ ذاتيٌ عابرٌ منقوشٌ إلى الأبد في ذاكرتي.

(ترجمة نافع الطشاني)

ناشر مقيم في لندن. ولد بمقاطعة لانكشاير إنجلترا، حصل على بكالوريوس في الاتصالات من جامعة ليدز وماجستير في المناهج النقدية من جامعة كينغز كوليدج بلندن.

شريف ادهيميش
Next Story
‎المنزل رقم 1275
Previous Story
آسر يحاول أن يوقع الكتب معي