النذر بين الأخت وأخيها

"طارق الرويمض"

في العام 1961 من القرن الماضي، وبينما كان والدي قاصداً أحد دكاكين مدينة كاباو لشراء حاجيات للمنزل، التقاه العم خلف الله زواوي وأخبره أن أخته في الرضاعة وابنة خالته في نفس الوقت خديجة الفقي يحيى أصيبت بوعكة صحية وحالتها حرجة، غير والدي اتجاهه دون تردد، وصعد التلة ماراً بأزقة "ايسوكر" في طريقه إلى منزلها في أعلى منطقة "العرقوب".

 

دخل بيت أخته خديجة، واتجه مباشرة حيث ترقد متوجعة من الحمى بين حالتي الوعي والغيبوبة، وحولها تلتف جاراتها وقريباتها، إنها المرة الأولى التي يرى فيها أخته بهذا الوضع المأساوي، وما زاد من خوفه كونها حبلى وفي شهورها الأخيرة، والمنطقة لا يوجد بها طبيب أو مستشفى يداوي آلام المرضى.

 

خرج من المنزل على عجل ونزل في اتجاه "تيجيغت" حيث منزل المرحوم عيسى قنجور؛ وهو من القلائل الذين يمتلكون سيارة للإيجار تنفع لنقل البضائع والركاب وحتى المرضى، وعندما وصل وجده يجهز سيارته لنقل بضائع تم الاتفاق حولها، أخذ والدي قنجور بعيداً عن السيارة وطلب منه أن يغير اتجاه رحلته ويقوم بنقل أخته إلى مستشفى يفرن  وهو أقرب مستشفى من كاباو. لم يكن الأمر سهلاً على صاحب البضاعة، ولكن مكانة والدي وطلبه الإنساني لإسعاف أخته وجنينها واستعداده لدفع مبلغ تعويض مقابل تغيير المسار لم يترك حجة لصاحب البضاعة كي يؤجل نقل بضاعته، ويمنح فرصة لوالدي لإنقاذ أخته، عندها عاد والدي مسرعاً إلى بيت أخته حتى تجهز نفسها، بينما يقوم قنجور بتفريغ السيارة وتجهيزها لرحلة إنقاذ خالتي خديجة.

 

لم تكن الطريق سهلة بين كاباو ويفرن، والمسافة بينهما حوالي 170 كم من المسارب الوعرة والرمال المتحركة والحجارة المتدحرجة أثناء السيول، ولما وصلت السيارة إلى مستشفى يفرن استقبلت خالتي خديجة من الأطباء والممرضات الإنجليز للاهتمام بها وتطبيبها، بينما توجه والدي وزوج أخته إلى بيت عائلة زريبة وهو صاحب الجد في يفرن، وهذا تقليد كان متعارفاً عليه حيث ترتبط كل عائلة في منطقة أو مدينة بعائلة أخرى تربطها علاقات قديمة منذ الجد أو الجدود الأولين، ومازالت هذه العلائق العائلية مستمرة عند العائلات التي تحفظ قيمة الصداقة والصحبة.

 

تم إيواء خالتي خديجة في المستشفى لمدة أسبوع كامل، تلقت فيه العلاج المكثف لإنقاذها أولاً، ثم إنقاذ جنينها، وعندما رأى الأطباء أنها تجاوزت مرحلة الخطر واستعادت صحتها وعافيتها منحوها إذن الخروج، وعادت إلى كاباو مع زوجها وأخيها الذي رضعت معه حليب خالتها، بعد أن توفت والدتها وتركتها في الشهور الأولى مع شقيقتها.

 

بعد أسابيع من هذه الحادثة ولدت خالتي خديجة ابنها الرابع، وكان لا بد لها أن تشكر أخاها بطريقة لا تنسى أبداً، وبما أن المولود ذكر اختارت أن تسميه "جمعة" على اسم أخيها، الذي هرع لها عندما سمع بمرضها وترك كل شيء خلفه من أجل إنقاذ حياتها وحياة الجنين، ويبدو أنه نذر نذرته كي تمنحه اسمه تيمناً، وشكراً لله سبحانه وتعالى.

 

في الثامن من فبراير من عام 2005 توفى والدي وترك لنا عائلة من أعز أقاربه متكونة من أربعة أبناء وبنت، تركتهم أخته وابنة خالته، والتي كان يعمه الفرح عندما تدخل عليه في بيتنا، ليجلسا متجاورين متسامرين، يتبادلان الحكايات وهموم الدنيا، ويسعدان بالرجوع لأيام طفولتهما، وإن كان أكثرها قاسية. أما نحن فإننا نسعد كلما التقينا بعائلة خديجة، نبتهج عند حضور أفراحها ونحزن بألم مصابها، وستبقي جزءاً من عائلتنا نتشرف بها، ونتباهى بنسبها.

مواليد كاباو، تحصل على بكالوريوس الفنون والإعلام بجامعة طرابلس، وماجستير في الوسائط المتعددة من جامعة بيروجيا إيطاليا. عمل كمصور ومدرب صحفي مع قنوات ووكالات إخبارية. ترأس مجلس أمناء جائزة سبتيموس منذ 2018 حتى وفاته في 2022.

طارق الرويمض
Next Story
عن الهجرة والوطن
Previous Story
‎المنزل رقم 1275