عن الهجرة والوطن

"طه الجواشي"

اليوم يصادف عيد ميلاد بنتي البكر سيلين، في مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات انتقلت مع زوجتي وبنتينا (سيلين وماريا) من ليبيا لإسبانيا لسوء الأوضاع وضمان مستقبل جيد لطفلتيّ.

سيلين وماريا ولدتا في ليبيا، وهاجرنا في 11  ديسمبر 2017  تحديداً في يوم عيد ميلاد سيلين الثالث. اليوم أتمت سيلين عامها السادس، وعمرها تناصف بين السنوات الثلاث التي عاشتها في ليبيا والثلاث التي عاشتها في إسبانيا، والأشياء التي مازالت تتذكرها عن ليبيا لا تتعدى أفراد عائلتها، وأكلة الزمِّيطة.

الفرق كبير بين الهجرة في عمر صغير والهجرة في عمر كبير. بناتي اليوم  إسبانيات، لا يختلفن في شيء عن أي طفل إسباني آخر في عمرهن، لكن الأمر يختلف معي؛ فقد هاجرت علي كبر، بعدما تربيت وعشت عمري كله في ليبيا، طفتها كلها، تشربت بثقافتها وتعرفت على تاريخها.

والحق أني تأقلمت في إسبانيا من أول يوم وصلت فيه، رغم أن اللغة كانت في البداية حاجزاً بيني وبين التواصل مع الناس،

والهجرة في الكبر رغم أنها أصعب؛ إلا أن فيها ميزات عديدة، أهمها ميزتا الملاحظة والمقارنة.

من هواياتي الملاحظة: ملاحظة تصرفات الناس، طريقة عيشهم، علاقتهم ببعض وعلاقتهم مع الدولة. والمقارنة: أني أحب أن أقارن بين كيف هم الناس هنا وكيف هم الناس في بلادي الأم؛ تاريخهم وتاريخنا، ثقافتهم وثقافتنا، وهذا شيء جميل، يجعلك تتعلم أشياء كثيرة.

الهجرة جعلتني أرجع طفلاً من جديد، أشعلت بداخلي فضول الطفل؛ أسأل عن كل شيء، أسئلة ساذجة لكنها عميقة مثل أسئلة الأطفال. كل يوم أتعلم شيئاً جديداً، كل مرة أزور مكاناً جديداً، كل يوم أجرب شيئاً جديداً: كلمة جديدة، معلومة ثقافية جديدة، أكلة جديدة.

العالم هنا يختلف؛ أنا أعيش في إسبانيا لكني ألتقي بأفراد من كل شعوب الأرض، فإسبانيا بلد مفتوح، بلد منفتح. في ليبيا يعيش الناس متقوقعين، دائماً يصطنعون فروقاً؛ (هذا مصري، هذا تونسي، وهذا سوري، هذا أسمر وهذا عربي وهذا عائدون وهذا جبالي والآخر فزاني وهكذا). في إسبانيا لم يسألني أي واحد من أين أنا، ولا ماذا أفعل ولا أين أمضي ولا من أين أتيت؛ فالناس يحبون الحياة ويحبون أن يعيشوها، وترك غيرهم يعيش.

إسبانيا واحدة من أجمل دول العالم، إن لم تكن أجملها، وهي بدون شك واحدة من أغنى دول العالم وبالأخص ثقافياً. أحب وطني ليبيا رغم كل المشاكل التي يمر بها، وأحب وطني الجديد إسبانيا رغم أني أجنبي فيه.

يقال إن الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن؛ لكني لم أحسب يوماً الغني والفقر بالمال، بل بالعقل. لست في الغربه غنياً، ولم أكن في الوطن فقيراً، بل إني كل يوم أغنى، على الأقل فكرياً.

مواليد تاجوراء، مصور صحفي وصانع أفلام، نُشرت العديد من صوره الصحفية بالنيويورك تايمز و التايمز اللندنية وغيرها. شارك في تصوير الفيلم الوثائقي “رسائل غارقة” الذي فاز بجائزة اختيار الجمهور بمهرجان مالاقه للأفلام عام 2020.

طه الجواشي
Next Story
أنا والحسناء والغزالة
Previous Story
النذر بين الأخت وأخيها