من بدايات التأسيس الثقافي

"عاشور الطويبي"

الطريق المؤدية إلى مدرسة زاوية الدهماني الثانوية من رأس حسن كانت تمر من شارع الظل (كان هذا الاسم يستهويني كثيراً، أن يكون للظل شارع خاص) الذي يسكنه عدد من البرجوازية الجديدة في بيوت كبيرة بأشجار وارفة الظلال وعبقة بالروائح الخلابة. ثم بنهايات شارع فشلوم، لا شيء مثير هنا غير أن على امتداده شرقاً منطقة النوفليين؛ قرأت قليلاً في كتّابها الذي تقف أمام بابه شجرة تين كبيرة كنت وأنا جالس في صحن الجامع أشم رائحتها التي ما تزال راسخة في ذاكرتي، ثم نصعد شمالاً إلى منطقة زاوية الدهماني. كان ذلك أواخر الستينيات، تعرفت على محمد الفقيه صالح الذي سجل في القسم الأدبي وأنا سجلت في القسم العلمي.

كانت الطرق المؤدية إلى محمد الفقيه صالح غير واضحة بالنسبة لي، لكنني كنت أعرف أنها الأدب والسياسة. كانت حصيلتي و اهتماماتي الأدبية لا بأس بها لكنني كنت فقيراً سياسياً. العالم في ذلك الزمان كان في مخاض كبير: تحولات كبرى في أمريكا و أوروبا، تبعات ما بعد الحرب العالمية الثانية وتغير الخريطة الدولية، أيضاً انتصار حركات التحرر الوطني في العالم العربي وسيطرة الناصرية على المشهد السياسي العربي مع بعض التوجهات اليسارية، كذلك ثورة سبتمبر 69 في ليبيا وما أعقبها من تغيرات.

كان المشهد غنياً ومشوشاً على فتية في المرحلة الثانوية. أما الحراك الثقافي الليبي بكل خطوطه وألوانه، والذي ترسخ فيه دور الرواد الكبار (المصراتي، التليسي، العلاقي، القريوي، والفزاني والنيهوم وغيرهم)، كان ثريّاً وكنا لا نشبع ولا نمل المتابعة. وكانت صحيفة الأسبوع الثقافي التي تصدر كل جمعة وصحيفة الحقيقة ملاذنا وزادنا الثقافي.

كنا نعرف أن محمد الفقيه صالح اختار أن يكون شاعراً، لم نقرأ له شيئاً حينها لكننا كنا واثقين أنه شاعر، ثم تتالت الأيام وكان حقاً الشاعر. أذكر مرة أننا حضرنا أمسية شعرية لشعراء تونسيين في المركز الثقافي التونسي بطرابلس وكان الشاعر الليبي الشارف الترهوني المشارك الوحيد من ليبيا. قبل أن تنتهي الأمسية كتبت في ورقة صغيرة أطلب من مدير الأمسية، الأديب أبي القاسم كرو، أن يدعو الشاعر محمد الفقيه صالح لقراءة بعض قصائده.  قبل أن يختم الأمسية طلب كرو من محمد الفقيه صالح الذي لم يعرف بما حصل أن يأتي إلى المنصة ويقرأ بعض قصائده. فوجيء محمد بالأمر لكنه ألقى قصيدة "دفء الابتهال في حضرة الدمع والاشتعال." ضجت القاعة بالتصفيق الطويل وكان المفاجأة الكبرى في تلك الأمسية. قال الأستاذ والأديب الكبير خليفة التليسي قولته: هذا هو الشاعر الشاعر. كان يوماً مشهوداً وانتصاراً لمجموعتنا الصغيرة (محمد الفقيه صالح، عمر الككلي، نور الدين النمر، محمد الزنتاني، وعاشور الطويبي).

السبعينات معترك حياة أخرى قاسية طرقها وباردة غرفها. شاهدت انحسار تأثير الرومانسية وصعود نجم الغنائية والواقعية الاشتراكية، فضاء مليء بعيون تهفو وقلوب تخفق بنبض يتدفق من نبع بعيد.

كل اكتشاف كان مصحوباً بدهشة كبيرة؛ قصائد لشعراء من مصر: صلاح عبد الصبور، محمد عفيفي مطر، وصديق محمد الفقيه صالح الشاعر الفذ علي قنديل. قصائد لشعراء العراق: البياتي، سعدي يوسف، مظفر النواب وغيرهم. ولشعراء من لبنان وسوريا: أدونيس، أنسي الحاج، بسام حجار، محمد الماغوط، وغيرهم كثير. صاحب ذلك اكتشاف الأعمال العظيمة لرموز التصوف: ابن عربي، الحلاج، النفري، البسطامي، السهروردي المقتول وفريد الدين العطار. مطابع بيروت وبغداد والقاهرة كانت تملأ الأسواق بالأعمال الأدبية المترجمة: الأدب الروسي، الألماني، الإنجليزي والأمريكي.

السبعينات معترك حياة مليئة بالعطايا والأعمال العبقرية، مليئة بالأسئلة والشكوك، أولها صدمة اللغة.

بأيّ لغة نكتب نصوصنا؟ اللغة القديمة ميتة وهل يمكن خلق لغة جديدة؟

لم يكن لنا في ذلك الزمن سوى امتطاء فرس التجريب الحرون وليكن ما يكن!

مواليد طرابلس، ليبيا. شاعر، مترجم، رسّام وطبيب متقاعد. صدر له عدة دواوين منها “قصائد الشرفة” و”كاليماخوس القوريني يعبر حقل الصبّار”، وديوانان بالإنجليزية. كما ترجم عدة دواوين من الشعر العالمي، منها للشاعر الصوفي “كبير” و مختارات شعراء الهايكو.

عاشور الطويبي
Next Story
النشرة شبه المقدسة
Previous Story
أنا والحسناء والغزالة