الجزيرة العربية في صبراته

"عزالدين عبد الكريم"

في الوقت الذي فكر فيه المخرج ديفيد لين بطباعة بصمة لا تُمحى من تاريخ السينما العالمية عام 1962 بصناعته للفيلم الملحمي " لورانس العرب"، ووقوف بيتر أوتول وأنطوني كوين وعمر الشريف أمام عدسته؛ وجدت نفسي مجسداً لشخصية لورانس رغم فارق لون البشرة والشَعر معاً بيني وبين بيتر أوتول، دون أن أدري بما حدث من استعداد لتصوير للفيلم، بل لم أسمع أو أعرف أياً من صانعيه وقتها، وبعد أن تعرفت على الفيلم بعد عقود لاحقة أصبحت هذه الصورة ممثلةً ذكرياتٍ متناقضة ممزوجة بين السعادة والألم.

لقد جسدت عندي بادئ الأمر لحظة سعادة استثنائية مستمدة من كرم أحد الأقارب، فالموضوع له علاقة بحدث سنوي نتطلع نحن الأطفال للاهتمام به؛ ففي كل موسم حج للأراضي المقدسة تموج مدينة صبراته وكل المدن الليبية بأحداث الحج، ولما كانت العملية لا تخلو وقتها من مغامرة كون الوسيلة الأبرز والأكثر رفاهية هي عبر باخرة تسمى "مارينا لاتسي" فقد كان أداء الفريضة يعبر عن بعد إيماني قوي لدى من يقرر الحج، وكانت السعادة تغمر أقارب أي حاج أو حاجَّة، فسفر أحدهم يكون فرصةً للأطفال لإحداث هرج مبرر كوننا سنلتقي في بيت المسافر، ولا يخلو الأمر من ولائم تكون لذة أطعمتها خاصة؛ ليس لتفردها أو استثنائية مكوناتها ولكن كونها تحدث ما يشبه التجمع المهرجاني الممزوج بحرية العبث المسموح به.

عند عودة الحجيج سالمين يكونون بالنسبة لنا -نحن الأطفال- غانمين أيضاً، فالغنيمة هنا تتمثل في تحميلهم هدايا للأطفال، وخلال السنوات كانت تتكرر الألعاب، وأبرزها لعبة صغيرة على هيئة جهاز تلفزيون نقرب ثقباً فيه أمام العين مع إغماض الأخرى لتبرز عدسته الزجاجية صوراً للمواقع المقدسة، وكان هذا التلفزيون الصغير مبعث بهجة لنا، لا نمل صوره رغم أنها لا تتعدى عشر صور تقريباً، نعيد ونكرر مشاهدتها رغم عدم حصول أي تغيير في تفاصيلها.

لكن ذات عام في بداية الستينات كان فريداً ولم يتكرر؛ فقد عشت اللحظة الأروع التي كانت مختلفة عندما تلقيت هذه الهدية الواضحة في الصورة والتي هي عبارة عن لباس كامل لسكان الجزيرة العربية، من قميص طويل وعقال رأس وغطاء رأس يُسمى "شماغ " في بلاد المشرق؛ كان اللباس يدخلني في حالة زهو وفرح، بل إنه يدخل عائلتي في لحظة انتشاء كبير.

لذلك عندما مرضت أمي -وقد كانت كثيرة المرض- وتقرر أن أزورها في مستشفى مدينة الزاوية التي تبعد 24 كيلو متراً عن مدينتي صبراته اقترح الأهل أن ألبس هذا اللباس لإدخال السعادة عليها حين أزورها. كانت -وهي منهكة ممددة على السرير بالكاد لها القدرة على التحرك- سعيدة برؤيتي، وبذلت جهوداً لمغالبة الألم حتى تزرع ابتسامات على محياها تعبيراً عن أشياء كثيرة لم أستوعبها حينها؛ لأنها كانت مليئة بكل ما هو متناقض. أذكر أنها فتحت درجاً بجانبها لتمد لي فاكهة كمثرى احتفظت بها ثم ودعتها، وكان هذا اللباس هو آخر ما رأتني فيه أمي؛ كونها أسلمت أنفاسها لخالقها بعد يومين، فبقيت صورتي هذه في خيالها، وبقيت صورتي هذه في نفسي مبعث فرح وحزن لصيقين متوازيين لا يغادران الذاكرة.

مواليد صبراته، مقدم برامج ومخرج تلفزيوني. درس المسرح وفنون الإلقاء في ليبيا وفي الولايات المتحدة. عمل في الإذاعة والتلفزيون الليبي منذ 1977 في القنوات العربية والإنجليزية. شغل منصب نائب رئيس إتحاد المنتجين العرب للإذاعة والتلفزيون.

عزالدين عبد الكريم
Next Story
هوايات أمي
Previous Story
البِركة عشق لا ينتهي