الطريق الذي أخذه الطفل

"علي الريشي"

لو سألني أحد عن الطريق التي أخذتني من طفلٍ صغير يحفظ القرآن في مسجد الحي وينتمي في الوقت نفسه لصديقه البحر إلى طالبٍ في الجامعة الليبية ببنغازي- ربما في السنة الثانية حين أخذت هذه الصورة- يُلقي محاضرةً عن الهندسات غير الإقليدية وباستعمال آينشتاين لأحد هذه الهندسات في نظرية النسبية العامة؛ فالإجابة أمرٌ في غاية الصعوبة. عندما يتحدث المرء عن المنحني الشخصي لاهتماماته منذ الطفولة- عن ثوابتها ومتغيراتها- فليس له سوى أن يرمي حجر النرد عندما تزدحم في ذهنه التجارب وعندما يشوب الغموض قيمة تجربة ما، غير أن المرء عندما يقامر في أمور الذاكرة فإنه يُعرِّضُ نفسه لأمرٍ في غايةِ الخطورة وهو تجاهل الولاء للحقيقة أو للوضوح، على الأقل.

 

غير أنني لا أقامر عندما أجزم بأن اهتمامي بالهوية المنهجية والمنطقية للفيزياء والرياضيات بدأ في مرحلة الدراسة الثانوية (علمي)، حينها كان يمكن للمرء أن يجد في بنغازي طالباً جامعياً يتابع هذه الاهتمامات، وأن يأخذ هذا الهاجس مجراه. فمن يعرف بنغازي حينها يدرك أنها كانت مدينة حقاً؛ أي كياناً اجتماعياً يتمتع أفراده بحقهم في اكتشاف ومواصلة مشاغل أهل الثقافة الشائعة.

 

كانت بنغازي مدينة متوسطة الحجم، أما تاريخياً فكانت مدينة مزدهرة- في الزمن الإغريقي والروماني- غير أنها باتت قبل الفتح الإسلامي وبعده مجرد قرية. في منتصف القرن التاسع عشر بدأت عناصر المدينة تتجلى في بيوت وشوارع وأسواق المكان. بنغازي الحديثة- شأنها شأن مدن أخرى- ولدت من رحم الهجرة، الرحم الذي يختلط فيه الألم الذي لا يخلو من الغربة والانتظار مع الأمل ومع السعي إلى التسامح وشيء من روح المغامرة؛ فأصول أهل بنغازي الحديثة ترجع إلى كل مدن وقرى ليبيا وإلى ما وراء البحر، فكانت بنغازي الوعاء الذي انصهرت فيه ثقافات المدن والبلدان التي أتوا منها. وكما كان أبناء وبنات بنغازي يجمعون كل أشياءِ ليبيا في داخلهم كانوا أيضاً يحملون أشياء المهاجر.

 

المهاجر الذي ينتهي به الأمر في بيئة اجتماعية ولدت من رحم الهجرة سيجدها بيئة لا تخلو من صداع التمييز العِرقي أو الثقافي، إلا أن هذا التمييز لن يكون ظاهرة مَرَضية بل ظاهرة تدفع لترسيخ ثقافة التسامح التي تنمي روح المرونة واحترام الاختلاف بين الأفراد. المهاجر في هذه البيئة الجديدة سوف يشعر بشيء من الحرية بعيداً عن عيون العقل الجماعي التي كانت تحاصره في بيئته الأم، حرية توفر له- إذا كان يملك الرغبة والاستعداد- المساحات المناسبة لاتخاذ المبادرات وللاستثناء.

 

اهتماماتي المعرفية لم تكن أمراً شائعاً في بنغازي؛ إلا أنها لم تكن استثناءً. حسين مخلوف، مثلا، أستاذي في الكيمياء في المرحلة الثانوية بالإضافة إلى اهتمامه بالعلوم الطبيعية والرياضيات كان يعبر الجسور التي تمتد بينها وبين العلوم الإنسانية والشعر والمسرح والرواية والشأن العام، فكان يكتب المسرحية ويتحدث في الأدب العربي والعالمي. اقترح عليَّ ذات مرة أن أترجم شيئاً من أعمال الروائي الإيرلندي "جيمس جويس"،  أسعدني اقتراح حسين بالرغم من أنني كنت مجرد طالب جامعي لا يملك الاستعداد المهني لترجمة أعمال الرجل الذي كانت اللغة الإنجليزية بالنسبة له مجرد مادة خام، والذي كانت ترجمة أعماله إلى العربية- إذا كانت ممكنة على الإطلاق- تحتاج إلى الكثير من الخبرة.

 

هكذا إذن كانت بنغازي؛ طفلٌ يذهب لتحية "شاعر الوطن" الذي يجلس في مقهى حيه، وفي المقهى ذاته يزين صاحب المقهى حائطه بصورة جون كينيدي مخالفاً التيارات السائدة حينها، وأستاذ الكيمياء الذي يعبر الجسور إلى تجليات العقل الأخرى يقترحُ على هذا الطفل- عندما كان مجرد طالبٍ جامعي- أن يترجم شيئاً من أعمال جيمس جويس، وأن يختار هذا الطفل بدلاً من ذلك أن يتعمق في الهندسات غير الإقليدية.

مواليد بنغازي، أكاديمي وناشط في حقوق الإنسان والحكم الدستوري. درَس بجامعة بنغازي وتحصل على الدكتوراه من جامعة بوسطن كوليدج، ودرّس الفيزياء والفلسفة لعدة سنوات بجامعة فتشبورغ ستيت، وجامعة نورث إيسرن بالولايات المتحدة.

علي الريشي
Next Story
عازف الترمبت
Previous Story
في بيتنا راديو