قلعة الطفولة

"عمر عبدالدايم"

جلس في شرفة بيته بصحبة فنجان قهوته المسائي، تُقابله عن بُعد قلعة سبها التاريخية. ارتشف الرشفة الأولى من فنجانه ونظرُه يمتد لتلك القلعة، فيما امتدَّ فكرُه إلى طفولته حيث رَسَمَتْ هذه القلعة ـ والتي بُنِيَت على جبل في الصحراء في العهد التركي ـ مشاهِدَ كثيرة في ذاكرته.

للطفولة سِحرها في هذا الحيّ الذي وُلِدَ ونشأ فيه، حيث البيوت التي بناها الرجال بأيديهم من الطين المخلوط بالتراب وبعض القش، والمسقوفة بجريد أشجار النخيل وجذوعها، وفي أفضل الحالات كانت بعض الغرف تُسقف بالخشب، كانت تلك البيوت متناثرةً وبلا تخطيط، لا شبكة للماء فيها ولا للكهرباء، وكان أقرب مصدر للماء يبعد أكثر من مئتي متر عن بيتهم. وفي أيام الدراسة كان هو وإخوته يقومون بكتابة واجباتهم الدراسية على ضوء "الفنار" الذي يعمل بالكيروسين.

كانت بيوتهم مفتوحة على السماء، حيث تُسقف فيها فقط الغرف المتناثرة داخل السياج فيما يبقى بقية البيت بلا سقف، وكان يقضي هو وإخوته ليالي الصيف في تتبّع نثار الليل وتدهشهم النجيمات المتحركة حيناً والشهُب المتساقطة أحياناً حتي يأخذهم النعاس، ليستيقظوا على صياح الديَكة وثغاء الحملان والنعاج التي قلّما كان يخلو منها بيت في الحيّ. لقد كانت الطبيعة ما تزالُ بِكراً، والهواء لم تعكره عوادم السيارات التي تنهب الطرق وتسرق السكينة.

تراكمت الصور في خياله، فإذا به رفقة صبيّين آخرين من أقاربه يحمِلون طعام الغداء لعمّه الذي يعمل غفيراً في القلعة، يصعدون الجبل في ذهابهم عبر الممشى الضّيق الذي نحتته أٌقدام من صعدوه طيلة تلك الحِقب التي أعقبت بناء هذا الصرح الكبير.

القلعة؛ هذا المبنى ذو النهايتين المستديرتين، وبنوافذه التي يراها من البيت كنقط متناهية الصغر، لكنّه حين يكون قريباً منها لم يكن يتخيّل هو وأترابه أنّ هناك مبنىً على وجه الأرض يضاهيها في الضخامة.

يَصِلون عمّهم الغفير لاهثين تكادُ أنفاسُهم تتقطع من شدة الصعود، وقلوبهم الصغيرة تحاول أن تقفز من صدورهم كجِرَاء الأرانب. يسألهم العمّ عن أحوال أهلهم، ثمّ يدسّ في يد كلّ منهم حبّة حلوى، "حَلوة الحليب" هكذا يسمونها وهي الألذُّ عندهم، وأخيراً يوصيهم بأن ينتبهوا ولا يتسارعوا في النزول.

في العودة كانوا يتعمدون النزول عبر أحجار الصوان السوداء التي تغطي الجبل مبتعدين عن الممشى المحفور على السفح، مما يؤدي في كثير من الأحيان لتقطيع نعالهم المطاطية الرخيصة، وكم مرّة أدمت بعضُ حوافِ الحجارة أقدامهم الغضّة.

بعد سنة من تلك الشيطنة والمغامرات الصبيانية يدخل المدرسة الابتدائية لتكون القلعة نفسها شاهدةً على مرحلة جديدة من صباه.

المدرسة التي تنام تحت القلعة، مكونة من أربعة فصول يشكل كل فصلين فيها ضلعاً متعامداً على الآخر في حين اتخذت الإدارة مبنىً صغيراً منفصلاً. أخبره أخوه الأكبر أنّ مبنى المدرسة من بقايا مباني الجيش الفرنساوي الذي كان مسيطراً على القلعة وما جاورها في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ارتبط تاريخ القلعة بالجيش في كل العصور؛ فطيلة دراسته الإبتدائية كان وزملاؤه التلاميذ يتحينون فرصة الاستراحة للجري نحو العساكر حُرّاس القلعة والمعسكر المحيط بها والمفتوح تماماً على المدرسة، ليقوم هؤلاء بتقديم صحن كبير من الأرز يتحلق حوله الصبية فيأكلون بنهم.

انتبه فزِعاً من سيل ذكرياته على صوت ابنته وهي تخبره عن نفاد الحصّة المخصصة للإنترنت وضرورة تعبئة الرصيد؛ لأنها سترسل إيميلاً ضرورياً لصديقتها في أستراليا.

يا الله! كيف تغير كل ذلك؟ أين تلك البيوت الطينية البسيطة؟ متى زحف كل هذا الإسفلت والإسمنت على الحيّ؟ وكيف تبدلت هذه القلعة الحنون فتنكرت له بعد هذه السنين الطوال؟

مواليد سبها، ضابط سابق وأستاذ جامعي وشاعر، صدرت له ثلاث مجموعات شعرية وكتاب سردي. تُرجم أحد دواوينه إلى الفرنسية وتناولت تجربته بالدراسة عدة بحوث وأطروحات علمية.

عمر عبدالدايم
Next Story
مع الهرم الرابع
Previous Story
عازف الترمبت