حارس الوادي

"فاطمة القرقني"

30 يونيو 2020، شرق ليبيا، تحديداً وادي درنة أو وادي الشلال، أو كما يُطلق عليه محلياً وادي الشواعر (الشواعر هي القبيلة القاطنة بالوادي منذُ مدة طويلة جداً).

كان الوقت مساء صيفياً جميلاً حين قررت الذهاب إلى الوادي، وأنا أتنقل بين نخيلة وورد الدفلة وجدت عبد الرحمن وهو طفل يبلغ من العمر 12 ربيعاً، كان جالسآ بطريقة لا تمت لسنوات عمره بصلة، حافي القدمين وأمامة أشجار الدفلى والبامبوس، أقدامه في ماء الوادي وهو سارح بتفكيره بعيداً.

عندما رآني ضحك وحياني بطريقة مؤدبة جداً، سألته ما اسمه؟ فأخبرني أنه من سكان الوادي. دعاني للتعرف على الوادي وكان هو النقطة الجوهرية فى تلك الصور. وادٍ عميق يمتد من جنوب منطقة القبة جنوب غرب درنة وينتهي بين أحضان المدينة ومصبهُ البحر؛ به العديد من المياه الجوفية والسطحية أيضاً، أبرزها عين سيدي بومنصور وشلال درنة الشهير، والعديد من العيون الأخرى.

كان عبد الرحمن ودوداً لطيفاً، ومُدركاً للقيمة المعيشية التي يقطنها وأثر المكان الذي هو فيه. يتميز الوادي بالكثير من الفواكه والمزروعات: كالرمان، المشمش، اليقطين أو البكيوه، وكروم العنب وغيرها. أنا أحب أن أزور الأماكن التي فيها طابع بشري مميز، وكما فى الصور حياة الناس من أولى الأولويات عندي؛ فرح، سعادة، حزن، فراق، إلخ. توثيقي لتلك الحالات يجعلني أحس أني أديت جزءاً من الواجب البشري تجاه حياتي الشخصية وغير الشخصية.

أعتقد أن تسليط الضوء على حياة الناس شيء أساسي لدى المصور، ويرى الكثير من المتابعين للصور التي أنتجها أني أحب اللون والطبيعة أكثر، لكن هذا على العكس تماماً؛ فأنا أهوى بل أعشق تصوير حياة الناس، لكن الظروف في ليبيا لا تقدم الكثير من الفرص لهذا النوع من العمل.

كانت رحلتي مع عبد الرحمن ممتعة؛ عندما رأى الكاميرا في يدي ابتسمت عيناه وقال لي: "سوف أريكِ أشياء لا يراها المارون من هنا، اخلعي حذاءك وتعالي معي". خلعت حذائي ورفعت بنطالي ودخلت معه إلى عمق الوادي وسط المياه العذبة التي كانت تداعب أقدامي وتحثني على المشي. رأيت كل شيء جميل بعيون (حارس الوادي) كما أطلقت على عبد الرحمن هذا الاسم فيما بعد. كان يحكي بحب وانتماء أدهشني، وفي كل مرة يعطيني وردة وهو مزهو؛ كأنه يقول لي نحن عندنا كل شيء جميل، خاصة عندما عرف أنني مقيمة خارج الوطن. كان عاشقاً للمكان وأخبرني عن عمته وكم هو فخور بها؛ لأنها تأخذ من نباتات الوادي وتزرع في بيتها وأنتجت حديقة جميلة، ثم سألني إذا أردت زيارتها فوعدته في زيارة قادمة.

عندما هممت بالرحيل قال لي عبد الرحمن: "هل ستأتين مرة أخرى؟"، قلت له: "انتظرني".

كم أتمنى لـعبد الرحمن وغيره ممن يحرسون الطبيعة والجمال بيننا مستقبلاً جميلاً خالياً من القلق.

مواليد درنة، تحمل ليسانس فلسفة من جامعة طرابلس. هاوية تصوير، اشتركت في عدة مسابقات عالمية وقامت بعدة معارض في سويسرا وألمانيا.

فاطمة القرقني
Next Story
الخالة حليمة
Previous Story
مع الهرم الرابع