الميدان

"فرح أبو شوشة"

هذه صورة أبي وأمي في السبعينات في الميدان، ممتلئان بأحلامٍ عَفيةٍ متفائلةٍ، جمعهما الحب في مدينة دبلن في إيرلندة. عَلَّق عَمِّي عند رؤيته هذه الصورة قائلاً: " كانت تلك أفضل أيامنا، كلنا شاهدنا سعادتهما".

تبدو أمُّنا في الصورة صغيرةً وجميلةً ومُبدعةً، وأنيقةً وذكيةً؛ وإن كانت يداها مقبوضتين إلاَّ أنهما كانتا تتلهفان للإبداع والرسم والتعبير عن هذه الحياة المثيرة. كان شعرها الطويل مثاراً للإعجاب من كثيرين، ولطالما تلمَّسه الغرباء الفضوليون في شوارع طرابلس، كانت تارةً تقوم بلفِهِ بقلمٍ، أو ما كان يثيرُ استغراب أنسبائها الليبيين بغسله في حوض المطبخ تارةً أخرى.

كان لأبينا اتزانٌ عجيبٌ نَضِرٌ لم يذبل أبداً؛ إنها تلك الجاذبية المنبعثة منه وهو يتَّكِئُ على عصاه التي كان يتخذها للزينة. له صُورٌ كَثيرةٌ وهو واقفٌ في الميدانِ وأشجار النخيل في الخلفية، يده دائماً مزودةٌ بسيجارة، السيجارة التي أودَت بصوته ثم في النهاية بحياته. كان يقول إن له ثلاثة أصواتٍ: لسانه، وقلمه، وريشته.

كنتُ أنا وأبونا نأخذ سيارة "ركوبة عامة" لتوصلنا إلى بيت أمه في العزيزية، كان في الطريق يتجاذب أطراف الحديث باهتمام مع السائق والركاب الآخرين عن السياسة والأدب والأسود.

أمي تعلمت القيادة في الميدان، وقد تركت أبانا ذات يومٍ غاضبةً في السيارة في المكان نفسه، وذلك عندما صار هو الآمر المتسلِّط الذي يقود السيارة من كرسي الركّاب. يأمرها قائلاً: "انعطفي يا أورلا، انعطفي قلتُ لكِ! اذهبي في هذا الاتجاه، لا في هذا الاتجاه. انتبهي يا أورلا انتبهي".  عندما ضاقت ذرعاً بتصرفاته أوقفت السيارة وفتحت الباب وتركته عالقاً في وسط الطريق؛ كونه غير قادرٍ على قيادة السيارة.

كنا نمر من هذا الميدان لنصل إلى مزرعة العائلة، حيث عائلتنا الليبية الممتدة الصاخبة تتجمع على المجالس الأرضية، أجيالٌ مختلفة يأكلن ويثرثرن ويسرِّحن شعرهن ويرسمن نقوش الحِنَّاء على أيديهن وهن يشربن الشاهي، بينما يجلس الرجال في مجلس منفصل عنهن.

عبرنا الميدان في طريق عودتنا من شراء معدات الرسم، لكي ترسم لنا أمنا على جدار غرفتنا قصة الذئب الشرير والخراف الثلاثة.

وهو المكان الذي ذهب إليه والدانا ذات صباحٍ ليروا بأم أعينهم إن كانت شائعة أن الميدان قد تم دهنه بالطلاء الأخضر خلال الليل حقيقية أم لا.

كل شيء في ليبيا صاخبٌ لكن الميدان كان متميزاً في صخبه، نعيق أبواق السيارات والصياح والزحام المروري والسوق، ضوضاء على خلفية متنوعة من روائح القهوة والحر والبنزين والغبار ممزوجة مع شذى توابل الطعام المنبعثة من المطاعم بالقرب من الكورنيش والبحر الأبيض المتوسط.

كان هذا آخر مكان أزوره في ليبيا مع أبينا في عام 2011، وقفت هناك وتنشقت هواءه الكثيف الساخن، وأغمضت عينيَ لأرى منظر والدينا وظِل شبابهما. هذه الصورة تمثل الجوهر الرمزي لسبب قدومنا أنا وأختي للحياة.

لتفهم التاريخ الليبي يجب أن تعرف تاريخ هذا الميدان؛ أسمه الآن -بعد الثورة- ميدان الشهداء، و في عهد الدكتاتورية كان السَّاحة الخضراء، بينما في العهد الملكي كان اسمه ميدان الاستقلال، أما تحت الاحتلال الإيطالي فقد كان اسمه ميدان إيطاليا (بياتزا إيتاليا). سَمِّهِ ما شِئتَ، لكنك لن تستطيع أن تنزع ليبيا من الميدان.

نتساءل أنا وأختي اليوم عمَّا إن كان بإمكاننا يوماً ما أن نسير على خطى والدينا، مرددين صدى الماضي، بعد رحيل والدنا عن هذ العالم.

بينما أتأمل هذه الصورة أسمع همسات صوته قبل أن يصاب بالسرطان تعلو فوق ضجيج الميدان الثقيل وتسري خلف أشجار النخيل، وهو يلقي عليَّ أبياتاً من حبيبه جلال الدِّين الرومي: "وما الوداعُ إلاَّ لمن يحبُّون بعيونهم، فمن يحبون بالقلوب والأرواح لا يعرفون شيئاً اسمه الفراق".

(ترجمة نافع الطشاني)

منتجة وكاتبة أفلام، تقيم في إيرلندا. حصلت على جائزة الرؤية من معهد الفيلم البريطاني، وتم ترشيح أعمالها لجائزة الـ”بافتا”. تشمل أعمالها أفلاماً عرضت على أمازون ونتفليكس.

فرح أبو شوشة
Next Story
هكذا كانت، وهكذا كنا
Previous Story
من حكايات جدتي