سـجين سـياسي

"محمـد محمـد المـفــتي"

في شهر أبريل 1973 كنت طبيباً شاباً أعمل بالمستشفى العام في مدينة ليدز في شمال إنجلترا، وأباً لطفلين. سافرت إلى ليبيا، وخلال أسبوع كنت معتقلاً سياسياً ضمن أكثر من مـئـتين؛ فقد كانت البلاد في موجة من الاعتقالات دشنها القذافي "لتطهير البلاد من المرضى" حسب قوله.

أعتقلت لـمـدة 11 سنة، وأمضى آخرون ضعف تلك المدة. بعد شهور من الاعتقال قدمنا لمحكمة قضت بأنه لا وجه لإقامة دعوى وأفرجت عنا، لكنـهـم وبأمر من القذافي اقتادونا إلى السجن ثانية، وبعد سنوات قدمنا ثانية لمحكمة عسكرية هذه المرة التي أصدرت أحكاماً "منطقية" بمدد كنا قد قضيناها أصلاً، لكن القذافي وبخط يده رفعها جملة إلى السجن المؤبد.

كان الثلث الأول من مدة الاعتقال فترة تحقيقات تعرض فيها البعض للتعذيب الجسدي، بينما كان الثلث الأخير فترة عزلة شبه كاملة بالنسبة لنا بما في ذلك إلغاء زيارات الأسر، وكان تشدد النظام ولـيد قلقه إزاء تصاعد المعارضة وتأميم العقارات والتجـــارة.

وكان الثلث الأوسط من فترة الاعتقال فترة ارتخاء نسبي في معاملة السجناء السياسيين؛ فسمح لنا بالخروج للساحة للتمشي وكانت متنفساً مهماً، قضيناه في النقاش على نمط فلاسفة الإغريق المشائين كما علق أحــدنا ســاخراً. كنا نتبادل الأخبــار والدعم النفسي، ونناقش سياسات النظام المتقلبة، وأثـر نتائجها البعيدة على بقائه. وكنا نتســاءل ما إذا كان حاكم البلاد في برجـه يـعـاني ما نعانيه من قلق وضيق بالحراس المحـيطين؟

في تلك السنين سمح لنا بآنية طبخ وقام بعضنا من الموهوبين بإعــداد وجــباتـنا، وسمح لنا بأقلام ولكن دون ورق فكنا نستعمل ورق السجائر بعد ســلخ طبقة الألمنيوم. وقمت بتدريس اللغة الإنجليزية وقام الزميل علي العكرمي بتدريس الفرنسية، ومارس بعضنا شتى الألعاب كالشطرنج بما تيسر من مواد. أما الاهتمام الأكثر رواجا فكان تشكيل حبوب الزيتون بكحتها على الأرض الإسمنتية للوصول إلى قنــاة مركزية يمكن ثـقـبها ثم لظمها لتستعمل كسبحة أو عـقـد.

الاسكتشات المرافــقـة لزنزانة حبس انـفـرادي، وواحــدة تبين ركناً من زنزانتنا أنا وجمعة الحزر وعبد العاطي خنفر رحمهما الله"، ويبين الرسم راديو كان حلقة الوصل التي كانت تربطني بالعالم الخارجي. ولشهور كنت مواظباً على سماع "رسالة من أميركا" التي كان يبعث بها ألستر كــوك أسبوعيا، وكنت أسمع إعادتها فجر كل يوم أحــد.

كما كانت أسرتي تستعير لي الكتب من مكتبة جامعة بنغازي التي كانت كنــزاً معرفياً، وداومت بشكل خاص على قراءة كتب تاريخ العلوم وكتب الأنثروبولوجيا. متعتي الأخرى كانت الرسم الذي تعلمته مبكراً في متجر والدي من رسومات مجلة صباح الخير ورسومات الفنان المصري بيــكارعلى أغلفة مجلة آخر ساعة الأسبوعية، وكنت  أسرب ما أرسم أثناء زيارات الأسرة، وللأسف ضاع معظمها. لكن فورة الرسم بالزيت كانت بعد الإفراج عني واستمرت بضعة شهور قبل أن أعود للعمل الطبي.

وفي يوم 22 يناير 1984 جاء حـارس لقسمنا وأمرني بالخروج، بالنسبة لي ولزملائي بالقسم كان استدعائي نذيـــر شـــؤم؛ فقد شــهـدت تلك الأيـــام استـشـراء الإعدامات الهمجية في القرى والميادين والجامعات. مشيت بحوار الحرس صامتاً، وتذكرت أننا في عام 1984 وهـو عـنـوان رواية الأديب الإنجـلـيزي جورج أورويـل التي رسم فـيها الحياة في ظل الاسـتـبداد وما يلحقه من تشوهات في العلاقات الاجتماعية والثقافة عامة.

كان الصمت سيد الموقف وأنا لا أعرف مآلي حتى مكتب مدير المخابرات، وهناك قال لي إن القائد عـفــا عنك. وفي حالتي البائسة تلك لم أجب إلا بسؤال: " إذن هل أستطيع السفر إلى أهلي في بنغازي؟"، ولم تنقـشع حـــيرتي إلا عندما قدمـوا لي طاسة شــاهي وعلبة ســجائر حيـنـها أحسست بالآمـان.

مواليد درنة، أتم دراسته ببنغازي وتخرج من كلية طب ليدز بإنجلترا. عمل في بريطانيا كباحث في جراحة القلب. تعرض بعدها للسجن كسياسي لمدة 11 عاما في ليبيا. مارس بعدها الطب وكتب العديد من الدراسات عن التاريخ الاجتماعي الليبي، آخرها “مواهيم الجبل: التاريخ الاجتماعي للجبل الأخضر” 2022.

محمـد محمـد المـفــتي
Next Story
وفي البدء كانت مدرسة النصر، بدرنة
Previous Story
من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ