دير بالك عليها يا ابني، هاي متل أختك

"مفتاح العلواني"

هكذا كانت جارتنا السورية كاترينا توصيني على ابنتها أيفا التي كانت تدرس معي في الابتدائي، فآخذ بيدها صوب مدرستنا البعيدة، ولكنها كانت تفلِتُ يدي كثيراً فأنهرُها فتبكي فأُراضيها.

ذاتَ مرةٍ تعرّض لنا ولدٌ يريدُ ضربها، قلتُ لها: اركضي أيفا، اركضي ولا تتوقفي. ثم اشتبكتُ معه في شجار صبياني انتهى بدماء تسيلُ من رأسي، وعندما وصلت كانت أيفا تنتظرني عند باب المدرسة وتبكي، ثم أخرجت برتقالةً من حقيبتها وقسمتها بيننا احتفالاً بنجاتنا. بعد المدرسة  أنتظرها وكُلّي حنق؛ كانت تؤخرني عن اللعب ثم ما تلبث أن تأتيَ بابتسامتها البريئة، تقول: خلصنا الدرس، بدك تحمل عني شنتايتي هلأ؟ يلا عالبيت. ثم تمسك يدي.

يا الله! كيف كنا نقاومُ الحياةَ من أجل أحبتنا منذ الصغر؟ أحبتنا الذين لا تربطهم بنا سوى محبة غائرةٍ في الصدق. ما الذي حصل؟ من تدخل ليخلق هذا البون بين القلوب؟!

لا أدري لماذا حدّثتكم عن أيفا؛ وجدت صورتها فذكرتني بكل هذا الشجن، بأمها كاترينا وأختها كاتيا، وكيف كانت أمها تنفث دخان سيجارتها كمن يخرج من رئته وجع الغربةِ على مهل، تقول لي: بس تكبر يا مفتاح رح زوّجك أيفا. فتضحك أمي كثيراً.

انتقلنا من ذلك الحي وكبُرنا واختفت أيفا وأهلها، لكن الشيء الذي لم يتوقف هو أنني مازلت أقاوم الحياة بضراوة للآن. في كل صباح آخذ قلبي من يده ونذهب، نتحاشى أزقّة العمر المليئة بالأوغاد، وفي كل مرةٍ يعترضنا فيها حزنٌ ما، أقول له: اركض أيها القلب، اركض.

وصرتُ أكبرُ على مهلٍ وأبتسم، حتى مات أبي فتوقّفت. لا أدري كيف عشتُ للآن من بعده لأكتب لكم رثائي المبكر، ولا أدري أين هو القاعُ أيضاً. من المفترضِ أنني الآن متناثرٌ فيه؛ فمُذ رحيلهِ وأنا أهوي. قال لي مرةً: لو نجحت بتفوق هذه السنة فسأشتري لك كرة. لكنّه رحل سريعاً، واستحالت روحي كرةً تتدحرجُ فوق ملعب الوقت.

أمّي أَخبرتني أنّني صرختُ كثيراً يومَ ولدتُ، لم يكن صُراخاً عادياً، حتّى أنّها فكرتْ أن ترُدني من حيثُ جِئت. لَكنّها احتضنتنِي مُذ ذاكَ، لا مخبأ يمكنهُ مواراتي عن السفاحين سوى قلبها.

حسناً، لا أعلم ما الذي تفعله الآن أيفا، وهل تتذكر شيئاً مما كان يجمعنا. هل يأتي ببالها كيف كنتُ أواري عنها طقطقة أسناني من البرد في طريق المدرسة. هل تزوجت؟ من يحمل حقيبتها؟ هل تعلم تلك الشآمية أنني صرتُ أحمل عشرات الحقائب: واحدة للألم، وواحدة للهجر، وأخرى للخذلان، وأخرى لفرحٍ عابر لا يكادُ يُرى.

بعد سنوات، وبحكم عملي في مجال التحقيقات وصلتنا عدة جرائم اغتصاب، وكان من بين المغتصِبين شخص شعرتُ أنني أعرفه، ثم اتضح لي أنه ذات الشخص الذي تشاجرتُ معه من أجل أيفا. أيُعقل أن يستمر الشر في النفس البشرية وينمو دون أن يقطع رأسه أحد ما؟ كيف لهذا الفتى أن يكبُر على حب الأذية بكل هذا القبح؟

يحدثُ أن تنام وتحلُم بالهروب من الناس وحتى من ظلك، ثم تفتحُ عينيك وأنت تلهث، بينما ظلّك يبتسمُ قائلاً: خُذ نفساً عميقاً ولا تبتعد كثيراً مرةً أخرى.

أبدو الآن كـبِركة تعترضُ الطرِيق، يعبرني الجميع بقفزة واحدة، وأنا لا أفعلُ شيئاً سوى أنني أعكسُ صورهم على صفحة قلبي وهم يقفزون.

الحب وحدهُ من يشعر بأيامنا، ويمشي العمر معه ببطء؛ العمرُ الذي لطالما ركضَ بقوة ونحنُ لا نفعلُ شيئاً سوى الرجاءِ بأن يتمهّل، قليلاً فقط، قليلاً بما يكفِي لنسنِد أرواحنَا على كتفِه.

لأيفا البعيدة محبة بعمق تلك الأيام، ولتلك الأيام أيضاً قبلة ابتسامة من وجه أيفا.

مواليد البيضاء، شاعر وقاص، و قاضٍ بمحكمة البيضاء الابتدائية. متحصل على ماجستير في القانون الدولي العام من جامعة عمر المختار. وصدر له ديوان “تلويحة عالقة في الهواء”.
نشر قصائده وقصصه في الكثير من المجلات والصحف والمواقع الأدبية العربية.

مفتاح العلواني
Next Story
الحوش أمي
Previous Story
نحن نساء قويات