ولِهٌ بمكتبته

"أحمد الفيتوري"

أنشأت مكتبتي الأولى من الصور، قبل أن أطرق باب المدرسة، حيث كنت أول من محا أميته في أسرتي الكبيرة. ومكتبة صوري كانت من أثر شرائي وحصولي كهدية، اللبان «المستكة» المرفقة بصورة لفنان أو فنانة من المشهورين مطلع الستينات في السينما العربية والأميركية، وقد أغنيتُها بالصور بالمقامرة بالصور، ثم المقايضة، فالاستعارة، وحتى السرقة من الأطفال الآخرين.

أليست الأحرفُ صورا؟ وما إن فككت الخط في الجامع والمدرسة حتى طفقت في جمع مجلات الأطفال ثم كتبهم، وبعد أن كانت مكتبة الصور من الكرتون، فإن مكتبة المجلات أنشأتها من صندوق خشب التفاح اللبناني، ما كان أبي يبيعه في دكانه.

للكتاب بيت أو غرفة كما لي، ولم أقبل البتة أن يسوح دون مأوى ، لذا شرعت في تجليد كتيباتي ومجلاتي، من الورق الملون والمقوى .وباعتبار أني الابن البكر لأبي، فقد جعلني أنام منفردا في "المربوعة"،  لي سرير وبجانبه مكتبتي  كانت  بمثابة «الكوميدينو». وبعد نجاحي في المدرسة، اشترى لي طاولة «فورمايكا» غالية الثمن، لكن لم يجلب كرسيا!

زمن «الكورونا» كانت المكتبة فسحة الحجر، ففي مارس 2020، مكمما في بيتي بمنفاي الاختياري في القاهرة، استقبلت النجار يحمل المكتبة التي أنجزها لي. كنت قد اخترت نوع خشبها وألوانها وحجمها  البني المشجر، والأصفر للأبواب السفلية المغلقة، ومساحاتها: 2م الإرتفاع في 3م العرض. ثم، على عادة العاجل المغتبط، أخذت في ترتيب كتبي مصنفة، وفي هذا الزمن بزغ المنشأ ويكون قلب مكتبتي المجلات، ديدن المثقف المتابع للمستجد، المجلات الفكرية المتخصصة والثقافية العامة والعلمية وحتى المصورة.

في ستينات القرن العشرين، في فترة الصبا أصاب البلاد هلع ا الكوليرا، وفي زحام دُفعنا إلى المستوصفات والمستشفيات، للحجامة ضد الكوليرا. في هذه اللحظة، أهداني عاملٌ لبناني زبون أبي في الدكان أسطوانة «غنيت مكة»، لفيروز، و كان أبي قد إشترى قبلها جهاز "بيك اب"، مشغل أسطوانات. هذا بدء منشأ مكتبتي الصوتية، فالمرئية مع أشرطة السينما 8ملم، وقد أهديت، من خالي أثر نجاحي في الشهادة الابتدائية، آلة عرض سينمائية قديمة، مع شريط قصير لشارلي شابلن.

زمن السجن، الحجر القسري القامع للشخصية، وفي حجرة كما علبة السردين، كُدس فيها أكثر من عشرة رجال لمدة قاربت السنوات العشر، لم يكن بالإمكان الحصول على الكتاب. لكن السجن في الأخير حياة، وفي جينات البشر صُنع المستحيل:

مرة سُمح لنا بزيارة استثنائية دون مبرر واضح، كانت الزائرتان والدتي زميلي السجن والصديقان خالد الترجمان والمرحوم إدريس المسماري، جلبتا معهما بعض الأكل وملابس داخلية، دون أن تتمكنا من رؤية ابنيهما. الأكل كان ملفوفا بورق جرائد أجنبية تبين فيما بعد أنه عدد مجلة التايم الأميركية الأخير. لم تكن تدخل المجلات البلاد حينها، لكن أحد أبناء الأسر هربه، ويبدو أنه أراد مفاجأتنا. وهكذا أعدنا للمجلة جسدها، فباتت مكتبتنا تحتوي على آخر عدد صدر من التايم. وزد على ذلك كانت لنا مجلة نصدرها من ورق السجائر، وتُصدر المجلة كتبا في مجالات عدة، من مؤلفاتنا الفردية والجماعية والمترجمة.

مرة هبت على إدارة السجن تعليمات بتخفيف العسف والضغط حتى لا ننفجر ونتمرد، فقد حدث أن قمنا بإضراب عن الطعام استمر لعشرة أيام. نتج عن ذلك أن جُلبت لنا كتب، والطريف أن منها كان كتاب "المعذبون في الأرض، سيكولوجية الإنسان المقهور"، وعليه صنع زميلنا رمضان المقصبي مكتبة من علب السجائر المغلف بقماش ملون لسترة بالية. كنت مع زميل آخر كما أمين لهذه المكتبة، وعند الإفراج عنا،  أخذتُ وإدريس المسماري بعض محتوياتها، خاصة المؤلفة، والقليل منها باق حتى الساعة.

زمن الإفراج، مكتبات وليس مكتبة واحدة، وتلك حكاية أخرى.

مواليد بنغازي، صحفي وكاتب وروائي ليبي يكتب في السياسة والثقافة. بدأ مهنته كصحفي في سن صغيرة وعمل بصحيفة الفجر الجديد والملحق الثقافي ومجلة لا، وترأس تحرير مجلة ميادين (2011-2014 ). من إصداراته الروايتان “سريب” و “سيرة بني غازي” والدراسة النقدية “في خطى رفيق.

أحمد الفيتوري
Next Story
أمّي حين تسرد التاريخ