هُوُن القديمة

"ميسون السنوسي حبيب"

لطالما كانت القصص التي يرويها والداي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدينة هون القديمة، ذلك المكان الذي نشأوا فيه وخبروا الحياة من خلاله ببساطتها وعفويتها، يرويان لنا حكايات عن الطفولة والصِبا؛ لنكتشف أن حياتهم كانت أقل تعقيدًا وبمستوى جيد من الحريات.

هذا الارتباط الكبير بالمدينة القديمة بهون  - التي يزيد عمرها عن 170 عاما - جعلنا نحن الأبناء مرتبطين بشكل أو بآخر بها؛ لأننا تربينا على موروثها وعلى أنها حاضنة لكياننا الهوني، حتى بعد أن هُجِّر سكانها ودمرت أجزاء كبيرة منها في فترة الاحتلال الإيطالي، إلا أنها سكنت في قلوبهم وحملوا حبها معهم في المخيمات التي أقامها المحتل في مدن مثل مصراتة والخمس.

المدينة القديمة هي هوية البلدة وإرثها؛ لذلك لم يتوانَ والداي في إشباعنا بكافة المعلومات عنها حتى كبرنا وأصبح كل همنا المحافظة عليها.

كنّا عادة ما نذهب للمدينة القديمة والغداء داخل بيت جدي، كنّا أطفالًا نحب اللعب حفاة على طرقاتها الترابية، وكانوا يعلموننا الألعاب الشعبية مثل: النقيزة، نط الحبل، تلِّ تلْ، وغيرها من الألعاب التي نجد متعة كبيرة بها، لنجعل أهلنا يستعيدون طفولتهم عن طريقنا.

هذا الحب الذي نشأنا عليه وترعرعنا في أحضانه حمّلنا المسؤولية بعد أن كبرنا في أن نحافظ على هذا الموروث؛ لأن المدينة القديمة بهون معروفة بجمالها وهندستها المعمارية، حيث الشوارع منظمة تنظيمًا دقيقًا قلّما تجده في المدن المجاورة.

أكتب عن المدينة القديمة لأنني أرى أطفال اليوم لا يعلمون الكثير عن مدينتهم القديمة، وإنما هي مرتبطة بفصل واحد من فصول السنة، عندما يحل الخريف وتتزين شوارعها احتفاءً بمهرجان الخريف؛ لأن آباء اليوم لم ينقلوا حبهم للمدينة لأطفالهم، وأصبحت المدينة القديمة فارغة وكأنها مدينة أشباح طوال العام، ولا يغزوها السكان والزوار إلا في الخريف.

إنني أجد هذا الأمر غاية في الخطورة على هويتنا كمدينة تعتز بتراثها وإرثها الفني و المعماري أيضًا؛ لأن المحافظة عليها لم يكن بالأمر السهل، خاصة أنه في فترة ما أثناء حكم القذافي قاموا بتدمير أجزاء كبيرة منها لغرض توسيع الطرقات مما الحق ضررًا بالغًا بها، ولولا محبِّي المدينة لكانت شيئاً من الماضي نسمع عنه في حكايات أجدادنا دون أن نكون شاهدين على جمالها.

حفاظنا على هويتنا يأتي في البداية بزرع حب هذه الهوية والموروث لدى النشأ، ليدركوا مدى أهميتها ومدى تأثيرها عليهم، وإلا ستتلاشى مع الزمن ولن تبقى لنا سوى الذكريات في الصور كما في هذه الصورة، شاهدة على جمال مدينتنا القديمة.

مواليد هون، كاتبة وصحافية مستقلة ومستشارة قانونية

ميسون السنوسي حبيب
Next Story
جدي في بيته
Previous Story
مفتاح الوصول إلى الأمس