نتاج حب

"نعمة الفيتوري"

 

عندما نتوقف أحياناً لنستعرض شريط حياتنا وكل الأحداث التي مرت فيها، نسأل: كيف يمكن اختزال عمر في لحظات؟ إذا كان اليوم الواحد فيه من الأحداث الكثير جداً، تخيل مثلاً ماذا لو تتذكر عاماً واحداً يومياً بكل لحظاته وانفعالاته وأحزانه، فيما يخص نشأتك، وتربيتك لأولادك. تتابع أحداث كل الماضي: طفولتك مع والديك، مدينتك، الحي الذي عشت فيه وبيت العائلة، شبابك، دراستك، تخرجك، فترة عملك وكل الناس الذين تعاملت معهم. لكن الصورة يمكنها أن تفعل كل ذلك، يمكنها أن تستحضر العمر بأحداثه وتفاصيله الصغيرة وحتى الأحاديث التي دارت وقتها.

 

وأنا أفكر في هذه الخواطر أرى بيتنا الصغير في بنغازي وسط البلاد، كان والدي رحمه الله يستيقظ مبكراً ويعد الفطور بنفسه، وفى نفس الطبق يقسم الطعام نصفين؛ يترك لأمي نصفه بعد أن يتناول حصته، ويقوم بتغطيته حتى تستيقظ من نومها سيدة قصره وقلبه.

 

هكذا كانت علاقتهما، ومؤشرات الود بينهما. مثلاً كم كنت أحب أن أراه وهو يجلس بجانبها يترجم لها الأفلام الأجنبية بكل صبر، ولا يمل من التكرار حتى تسمعه جيداً حيث كانت تعاني من ضعف السمع، و بالمقابل كانت تشاركه مشاهدة مباريات كرة القدم وتحفظ منه أسماء اللاعبين.

 

بعلاقة نسب من جهة جدتي لأبي المصرية الجنسية تركية الأصل، كان التعارف والحب بين والديَّ، الذي تكلل بالزواج في الإسكندرية، وبعد بضعة سنوات قليلة قررا الاستقرار في بنغازي أرض الأجداد. لكن حبل الود مع الإسكندرية لم ينقطع، فكانا يقومان برحلات برّيّة لمصر بين فينة وأخرى بمفردهما، كأنهما يجددان عهود الحب والوفاء.

هذه الصورة تم التقاطها في كندا في زيارة لأختي المهاجرة مع زوجها، كانا صحبة أحفادهما في مدينة الملاهي، وكما اعتادا استثمار كل لحظة مرح، شاركا الأحفاد اللعب والتسلية.

توقف تاريخ الفرح سنة  2004م بوفاة والدي بعد عودته من مناسك العمرة بشهر واحد، لقد قضى يومه الأخير بالمستشفى لتُطوى صفحة مضيئة من صفحات تاريخ عائلتنا معه، فيما انتظرت أمّي بعده سنوات طويلة لتلتحق بالرفيق الأعلى بعد صراع طويل مع المرض.

 

كنتُ شاهدة العصر على وردة و مطر وحضور تتغنى به الذاكرة قبل أن تموت الزهور بغيابه.

أنا سعيدة جداً بأنّ تلك الحقبة قد تغلغلت في أرواح من حولهم بملامح واضحة كأنّها نُسِجت بمقاس الفرح، وحياة روح في صورة مكثفة.

 

عشت أشاهد هذه العلاقة الدافئة التي كان الحب هو المنهج والمعتقد والأساس فيها، كما كنت سر أبي والصديقة والابنة التي ورثت منهجه، ورافقت أمي من بعده وكأنها ابنتي، وكأنها ميراثه الغالي وكنزه الثمين الذي لا يضاهى.

كل هذه الذكريات يمكن أن تختزلها مجرد صورة؛ وكم أنا فخورة أني نتاج هذا الارتباط الجميل.

 

 

مواليد القاهرة، مترجمة وشاعرة، صدر لها ثلاث مجموعات شعرية. ترجمت بعض نصوصها للإنجليزية والفرنسية والأمازيغية وضمن سلسلة رائدات ليبيات متميزات وموسوعة الشعر النسوي شمال أفريقيا.

نعمة الفيتوري
Next Story
جرعة واحدة، في نفس واحد
Previous Story
الأستاذة والموسيقار