كنت هناك أرثيني

"أم العز الفارسي"

في يوم تأبين إدريس المسماري بقاعة (اورينتال العريقة) بالجامعة الأمريكية، يوم الأحد 5 مارس 2017، حيث اجتمعت كوكبة من أبناء الوطن جمعت بينهم الرؤية المشتركة لوطن يتشظى وهم عاجزون عن دعمه، يستلهمون من رفيقهم الغائب نبض الوطن في عروقه التي جففتها تربة بنغازي المالحة والمدبوغة بشمس الشتاء الحنونة، في ذكرى الأربعين، بكلمات لفها الحزن وصاغها اليقين بحتمية أن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا ينكرها أحد.

 

كنت هناك غير قادرة على تصديق ما أنا فيه كمن تلفه دوامة في بحر هائج، أحاول أن أتماسك كي لا أنهار، بيني وبيني صدى كلمات مريد البرغوثي تصدح: "وخدَعْتَني،/ لاقيتَ موتَكَ مرة ونجوتَ منهُ،/ لكي أصدِّقَ بالتمنّي والسذاجةِ/ أنه خَسِرَ الرِّهانْ./ وعجبتُ بَعدَكَ،/ كيف أحيا بعضَ أحيانٍ/ وكيف أموتُ مِن آنٍ لآنْ." كانت رغبة إدريس في الحياة تحصنه من الموت، مر بأزمات صحية كان يخرج منها منتصراً، ما كان يرضخ لتوجيهات طبيب. يستجيب لموعد لقاء صديق أو صديقة قبل الالتزام بموعد الحقنة أو وجبة الإفطار قبلها. كان قدرياً عنيداً لا يحسب للخوف حساباً.

 

الآن وأنا أحاول التماسك أضع يدي على قلبي العامر بحبه منذ عرفت للحب معنى، وبالإيمان به وبصدق مواقفه منذ عرفت معنى الإيمان بربي. لم يكن مجرد رجل في حياتي، كان حياتي كلها. وقفت على ناصية أجمل سنوات العمر وريعان الشباب أنتظر عودته من سجن ظالم تجاوز السنوات العشر. كان مؤبداً وألحق بفجيعة الإعدام بقرار وقع عليه موتورين يرجعون إلى أرشيف المعتقلين حين لا يجدون جديداً للإطاحة به. لم يخفه هو ورفاقه شيء فقد كان إيمانهم بالحياة أقوى من إيمانهم بالموت. وحين عودته لم يخلف ما وعد، ظل ذاك العنيد الذي أستلهِم منه القوة وأستظل بشجاعته، أثثنا حياتنا بالوعي وخبرة التاريخ الوطني، والحب فقط. كان لنا بيت وأحلام وأولاد نجباء، وأهل محبون، وكان لنا رفاق وأصدقاء عمرت بهم أمسياتنا في زمن ارتهن فيه الناس للخوف، وما كنا فيه إلا على العناد بلا زناد، يحمينا صدقنا في حب الوطن.

 

أحاول أن أعيد توازن نفسي، وأبحث في قائمة الرفاق عمن يشحن همتي بإيجابية الحياة بدلاً عن حتمية الموت، وبالفرح بالقادم بدلاً عن الحزن لما ضاع. أحاول أن أسترجع مواقف إدريس ويدي ترتعش وعيني تغيم حين أرفق اسمه (بالمرحوم). أضعني مكانه: ماذا لو أنني من مات، وأنه من عاش؟

 

هل كان تأبيني سيمر بلا كلمة منه؟ هل كان الحزن جاثماً عليه فلا يرى من الدنيا إلا السواد؟

 

أزعم أنه كان سيبدو كعريس، يطقطق عكازه وتتراقص خطاه وينتثر عطره وتنهال ابتساماته، مصافحاً الجميع وشاكراً لهم الحضور. كان سيراني روحاً تظلله وغيمة تمطر بحبه، وكائناً لايغيب إلا كما يغيب المسافر. هكذا تعامل مع الموت حين فقدنا ابنينا المهدي ومحمود وابنتنا دنيا، وحين فقدنا أبوينا في أسبوع واحد، وحين فقد ربيب روحه محمد الترهوني وصديق طفولته محمد المسماري، حين فقد نزاراً الابن الذي لم يكن أباه، وحين فقد رافع الشقيق المغدور. كنت أراقب نظرية الفقد عنده والوفاء للأرواح التي تغادرنا بالوفاء لمن أحبوا. صبر على تهجيرنا من بيتنا الذي ما فرحنا بالعودة له، وصبر على حلمه بعودة الأمن لبلادنا والسلام. كان متفائلاً برغم آلام حملتها روحه، وما فعل الجسد المنهك بصولات وجولات وتحديات.

 

أحتاج إلى كثير من الدعم لأرمم بقايا عزيمتي، وكثير من الوقت لأقنع نفسي بحتمية الغياب الأبدي، وأحتاج إلى كثير من الكلمات لأشكر الأهل والأصدقاء الذين آزروني في محنتي، وأعدهم أنني على الوعد. سننجز معاً ما وقف إدريس عنده: ملفاته المشرعة كثيرة، وروحه تراقبنا لننجز ما أراد.

مواليد الأبيار، أكاديمية وناشطة في العمل العام. حصلت على دكتوراه من جامعة القاهرة، أستاذة علوم سياسية بجامعة بنغازي. صدر لها عدة كتب: “امتياز المنع في مجلس الأمن”، “ديوان الصمت”، و”لنا الله”.

أم العز الفارسي
Next Story
نغيب عن المدرسة ونذهب للملاهي؟!
Previous Story
الجشة، الوطن القبلي