تلك الأيام: البي بونا والصولفيج

"إدريس القايد"

في الصف السادس دخل الأستاذ المرحوم عبدالله لطفي، الذي في الصورة هنا، شخصية كاريزمية، قامة طويلة، ملامح سمراء وسيمة و أناقة إيطالية بجدارة.

أمر أول تلميذ بالوقوف ثم أمره بتسميع النشيد الوطني "يا بلادي"، التلميذ لم يكن موفقًا.

"طبيخة" كان تعليقه، انفجرنا ضاحكين. أنا لم أكن طبيخة وكذلك بعض زملائي الأعضاء في الكشاف وفزنا باسم زهر؛ فالذين لا يحفظون طبيخة والحافظون زهر.

زيارة الأستاذ عبدالله لطفي آدم كانت لغرض جمع الطلاب ذوي الأصوات الجميلة والذين يستطيعون الإنشاد، في ذلك الصيف من عام 1965 كانت أغنيتا "حبك نار" لعبد الحليم و"نار والله نار" لنوري كمال تصدحان في حر يوليو.

بعد أيام جلسنا في إحدى الفصول لنتعلم قراءة النوتة و الإيقاعات الموسيقية، كان الكتاب المقرر علينا اسمه "بي بونا" ولغة الموسيقى المكتوبة تسمى "الصولفيج". أمرونا بشراء الكتاب، ولكن كيف ستطلب من أسرتك ثمنه ونحن حينها نجمع معاً مبلغاً لشراء مجلة "ميكي" أو "سمير" لتدور بيننا؟ كما أن معظم الأسر كانت تعتبر تعلم الموسيقى أمراً يصل إلى العيب، لكن المدرسين سلموا لنا نسخاً مجانية بعدها بأيام وهكذا انتهت مشكلتي. مدرسان من فرق الشرطة الموسيقية مازال اسمهما عالقاً في الذهن "عمر خليفة" و"بالقاسم النائلي"، وكانا متفانيين في تعليمنا.

كان في شارع الاستقلال محل "تحفة" للآلات الموسيقية، يملكه إيطالي عجوز مزاجه سيئ اسمه أندريا يبيع آلات موسيقية غالباً للشرطة والجيش ومنه اشترينا دفاتر النوتة. كانت الدروس مرقمة وإذا حفظت درساً تترقى للذي يليه، البعض ترك الفصل لعدم التقدم.

واجهت صعوبة إخفاء هذا الأمر عن أسرتي، كان لا بد من إخفاء كتاب باسكولي بونا أو البي بونا والكراسات التي ترافقه، أخفيتها في أمكنة عديدة لكن في إحدى المرات أخفيتها تحت "المندار" ولحظي السيئ اكتشفها أبي في لمح البصر.

يا للهول! كم تفاجأت عندما بدأ أبي يقرأ النوتة الموسيقية، أبي الذي أخفيت عنه كتابي ها هو يقرأه، تعلمت منه أنني كنت أتعلم على مفتاح صول الشهير، و أنه كان يقرأ على مفتاح "فا" غير الشهير. حكى لي أنه تعلم الموسيقى في مكتب الفنون والصنائع، وأنه كان يعزف الترومبون ومن هذا تعلم مفتاح " فا " الذي تستخدمه هذه الآلة النحاسية الضخمة. المفاجأة سرعان ما تحولت إلى سبب تقدمي في دروس البي بونا؛ إذ كنت أحفظ الدرس والاثنين والثلاثة بإشراف أبي. في آخر الفصل اختار كل طالب الآلة الموسيقية التي يرغبها: اخترت أنا الساكسفون.

أهلتنا ليال وشهور طويلة من التدريب للانضمام للفرقة المركزية للموسيقى التابعة لوزارة التربية والتعليم، يومياً من السابعة إلى التاسعة مساء كل فرد بآلته يتدرب وحده في فصل بالمدرسة. مقطوعة يوهانس برامس "الرقصة الهنغارية" كانت صعبة ومتغيرة الإيقاع، لكننا عشقناها وتصارعنا معها حتى أتقناها. قدمنا حفلات بمناسبة أعياد الاستقلال و مناسبات أخرى في طرابلس والمدن القريبة، ثم جاء عيد الاستقلال 1968 و أعددنا له حفلاً مختلفاً، لم تعزف موسيقى غربية فحسب بل أيضاً "أنت الحب" لعبد الوهاب وموشح "العذارى المائسات" لسيد درويش ونوبة مالوف"شوقي دعاني" للشيخ اقنيص.

زارنا مدير تعليم طرابلس الأستاذ الأزهري أحمد انبية زيارة مخيفة، لكنه كان من اللطف والسماحة مما جعلها قصة طريفة. قال: ما تطلبون؟ طلبنا بيانو وقد كان. وقفت أطالبه بزي موحد للفرقة، كانت مفاجأة له، صمت قليلاً ورد مبتسماً: "توتات موحدة، عفريتات يا عفاريت"، وقد كان.

قام معلمو الحياكة وطلاب الفنون والصنائع بعمل رائع وأصبح لدينا زي جميل، واتسعت الفرقة لتشمل ممثلين مسرحيين ومنشدين حتى أصبحت الفرقة المركزية للموسيقى؛ و كانت وجهاً حضارياً مشرقاً للوطن.

مواليد طرابلس، طبيب متخصص في طب الأطفال ومستشار بمنظمة الصحة العالمية. يمارس الطب لأربعة عقود وله مؤلفات إرشادية للأطباء في طب الأسرة.

إدريس القايد
Next Story
فسيفساء عين الفرس
Previous Story
نغيب عن المدرسة ونذهب للملاهي؟!