فسيفساء عين الفرس

"إبراهيم الإمام"

إنه المكان الوحيد الذي أحرص على أن يكون أول شيء تقع عليه عيني كلما عدت إلى واحتي. عين الفرس، نبعنا الخالد أصل هذه الواحة، أقف أمامه في خشوع وتفكر.  جلست إلى ضفته، كنا وحدنا هذه المرة، لا تتاح لي هذه الخلوات كثيرا فرواد النبع كثر غايتهم السباحة في مياهه، أما غايتي فالغوص في أعماقه.

دفقات جديدة من الماء تنساب من وسط النبع في هدوء، تنتشر على كامل السطح الأزرق في حلقات، يتدفق ما فاض منه إلى الواحة من خلال قنوات الصرف ليعم خيره أركان الواحة الخمسة. ما سر هذه القنوات؟ ما سر كونها خمساً؟

تقول أمي نقلاً عن أمها -وأكدت ذلك جدتي لأبي- إن أسلاف الواحة لا يصنعون شيئاً عبثاً؛ لكل شيء سبب، تؤكد جدتي:

-عدم معرفتك للسبب لا ينفي وجوده؛ للأسلاف أسرارهم التي لم يبوحوا بها لأحد.

أمي تقول: لا تنتظر تفسيراً من أحد، حاول بنفسك.

أسماء القنوات الخمس لا تفسر شيئا، مر وقت على تأملي، استقر نظري على قناة بعينها، لا أدري سبباً لذلك. ثم بدأت فكرة ما تتراقص في ذهني؛ إنها القناة التي نبشت وحفرت إكراما لنزول عائلة قادمة من المغرب الأقصى منذ أكثر من ألف عام، هذا ما تقوله الروايات.

ماذا عن باقي القنوات؟ شعرت بطيف جدتي يربت على كتفي مشجعاً، صوت أمي كذلك يدفعني للبحث.

تتبعت بعين خيالي اتجاه تلك القناة، اخترقت البيوت المجاورة للعين، تجاوزتُ البساتين المحيطة بالبيوت، تسلقت السور المهيب المحيط بالواحة، وقفت أمام بقايا الهياكل القديمة لمعابد الأسلاف القدامى " تمسمودين" ؛ هنا بنى الأسلاف أول كنيسة بعد اختيارهم للنصرانية كدين يتوجهون من خلاله بالشكر للرب الذي منحهم هذه الواحة.

أعجبتني الفكرة خاصة أنها تؤرخ لعهد الإمبراطور جستنيان، أما القائد الشهير كورنوليوس بالبوس فقد كان حضوره قبل ميلاد المسيح بعقدين كاملين  أثناء حروبه مع مملكة جرمة.  يقال إن جستنيان عقد اتفاقية سلام مع الأسلاف؛ إنه سبب وجيه لشق قناة لحمل الماء إلى المعابد الجديدة والثقافة القادمة من وراء البحار لتتمازج مع ثقافة الصحراء وتذوب فيها.

الجدة تربت مجدداً على كتفي، أمي تحثني على الاستمرار. توجهت بنظري إلى القناة المجاورة، إنها تتجه نحو الجنوب، إنهم الجرمنت هذه المرة: تلك المملكة التي حكمت الصحراء واستعملت العربات في حروبها الطويلة من أجل السيطرة على الصحراء، ومن ثم من أجل بقائها،  هذا يفسر بسهولة أمر القناة المتجهة غرباً؛ إنها تشير إلى قرطاج،  أمة أخرى كانت هنا أيضاً.

أما هذه القناة التي أقف عليها الآن فهي أصل هذه الحضارة وعصبها الحقيقي للحياة، إنها تمثل الأصل والجذور، بينما رفيقاتها الأربع فيرمزن لمراحل وحقب مختلفة من  تاريخها ونهضتها.

صوت أمي يشدو بلحن اعتادت غناءه لابني الصغير تدليلاً وتحفيزاً: "حنيي يو نورغو ما كتوي ".

خمس قنوات تتفرع من النبع الزلال، خمس حضارات ذابت هنا كما يذوب الملح في ماء البحر، حضارات بادت الآن لا أثر لها إلا ما ذاب هنا؛ يتشكل ويولد من جديد في ثوب قشيب مختلف، تمازجت مع الأصل لتكون لوحة فسيفساء جديدة ومتجددة، تنساب مع الماء إلى أركان الواحة الخمس كل يوم.

تصفيق وصفير وصخب يخرجني من عالمي؛ أكتشف أن خلوتي انتهكت وامتلأ النبع بمرتاديه، سأترك لهم المكان الآن.

إلى لقاء قريب أيها النبع.

مواليد غدامس، كاتب وقاص وروائي وباحث تاريخي، حاصل على دبلوم تقنية الطيران المدني والأرصاد الجوية. صدر له عدد من المجموعات القصصية والأعمال الروائية، وقصص الأطفال.

إبراهيم الإمام
Next Story
أغلى ورقة حملتها في حياتي
Previous Story
تلك الأيام: البي بونا والصولفيج