حكاية صورة

"الطاهر محمد الديب"

الزمن: 1989م.

المكان: قرجي أحد أحياء مدينة طرابلس.

الحدث:عرس شقيقي صالح.

المشهد العام يوحي بالواقعية مع الانعدام التام للألوان الساخنة رغم سخونة الحدث، حيث توحي الحركة بالتجهيز لعرس ليبي.

تظهر كراسي الخشب قبل أن تأخذ دورها كراسي اللدائن البيضاء وتجبرها على العودة إلى المؤسسات الرسمية والتعليمية؛ فقد تصدر هذا النوع من الكراسي المحافل الاجتماعية والسياسية على حد سواء.

أنا أتصدر المشهد حاملاً بندقية صيد؛ حيث كانت إحدى معالم الأفراح وقتها خاصة خارج المدن، وقتذاك كان على من يمتلك سلاح صيد لزوم  تسليمه إلى الجهات الأمنية، مع الأكتفاء بواصل التسليم.

الحكاية عكس ما نرى، شخصياً لا أحبذ حمل السلاح ولست من هواته، أوحتى رؤيته في المحافل؛ الحكاية أنه في ذلك اليوم جاء أحدهم بهذه البندقية قاصداً خالي الضابط في السلع الأمنية لمساعدته في الحصول على ترخيص يجيز حمل البندقية أوتسليمها مقابل إيصال، وفقاً للقانون الملزم آنذاك.

بالعودة للصورة فإن اليد اليمنى تمسك السلاح بغير احتراف، واليد اليسرى تمسك مفتاح سيارتي ال"أوبل" وأنا أهم بفتح الباب الخلفي لأضع فيه البندقية حسب تعليمات خالي.

الصورة حينما رآها محمد صالح ابن شقيقي أثارته اليوم وهو يعيش أحوال البلاد بما شهدته، وأردف: "عمي، كنتم من زمان مليشيات وعندكم سلاح في الشارع عادي؟! شكلك كنت آمر مليشيا حسب الصورة."

 

لم يبتعد ابن شقيقي في تأويله كثيراً؛ فقد كانت قراءته وفق المعايير والمعطيات الراهنة.

بقية المشهد في الصورة أعمار متفاوتة ذكوراً وإناثاً مشاركين في العرس، وأسراب الكهرباء المضاءة نهاراً إيذاناً ببداية التجهيز لمراسم الفرح.

بعد زمن من التقاط الصورة تحكي لنا الأيام حكايتها "الأقدار": الفتاة الصغيرة التي خلفي كنا نناديها (الدكتورة)؛ لأنها كانت ترتدي نظارة طبية، كبرت مع أربع من أخواتها اللواتي تخرجن من كليات الطب المختلفة، إلا هي فكان نصيبها أن تصبح مدرسة لغة عربية، وهكذا قال القدر كلمته عكس ما اخترناه لها.

يمين الصورة طفل صغير كان أقصى طموحه أن يحصل على الشهادة الإعدادية، ولضعف بصره ومستواه التعليمي المتواضع تنادى السكان وساعدوه بطرق عدة ليتمكن من اجتياز المرحلة الإعدادية بتقدير مقبول، وليكون مقبولاً في شركة عامة مرموقة بوظيفة عامل نظافة، بعدها تحصل على مساعدة فاعل خير لعلاج القرنية بأوكرانيا، حيث ضل في أول مطار ترانزيت، ثم سخر الله له من أنقذه ليحصل على العلاج والشفاء ليعود عامل نظافة في نفس الشركة، وذات القدر.

 

مقدمة المشهد في الصورة اثنان من الشباب وهما ابنا الخال، أحدهما فقدناه بسبب الإهمال الأسري؛ حيث أصيب بمرض فقدان المناعة بعد فتح خطوط  السفن السياحية، والآخر افتقدنا حضوره في مناسباتنا الاجتماعية التي أصبحت له فيها وجهة نظر دينية (حسب تفسيره)؛ قال القدر كلمته.

في عمق الصور من اليمين طفلة صغيرة تخرجت من طب الأسنان حسب رغبتها وحسب طموحها، كان القدر متصالحاً معها.

الآنسة الواقفة أمام باب بيتنا الأزرق هي أختي الصغرى، وبعد سنوات من زواجها أنجبت طفلة، بعد تأخرها في الحمل قرر زوجها مراجعة طبيبه خارج طرابلس فطلب منها مرافقته، في ذات الوقت كانت على موعد معي لحضور مناسبة اجتماعية فاعتذرت مني بعد أن ناداها قدرها.

لم تعد وبقيت ذكراها على الصورة.

مواليد غريان، مخرج سينما وتلفزيون، عرض الكثير من أعماله على قنوات التلفزة الليبية.

الطاهر محمد الديب
Next Story
عُقلة وعناق
Previous Story
أغلى ورقة حملتها في حياتي