بابا

"بياتا باتوشنسكا"

بدأت حكاية ليبيا في عائلتنا منذ ما يربو عن 40 عاماً مضت، عندما ذهب أبي -مثل الكثيرين من الأطباء والمهندسين البولنديين في تلك الفترة- إلى العمل فيها، فقد بدأ في عام 1978 العمل في عقد لرصف طريق مدته عامين، محققاً بذلك دخلاً يساوي  مرتب عمل 30 عاماً في بولندا في ذاك الزمن.

عندما كنت في السادسة من عمري قضيت شهراً هناك مع أمي وأختي التؤام، كان أبي يسكن في مخيم للبنَّائين في منطقة المخيلي الصحراوية، لكن لغرض زيارتنا تم منحه سكناً عائلياً في معسكر قرب التميمي حيث القرب من الحضارة؛ فبنغازي القريبة بها مطار ودكاكين وأسواق.

قبل ذلك كان أبي يعتبر العمل الحقلي في ليبيا مغامرةً كبيرةً بالنسبة لمديرٍ في شركةٍ بولندية عامّة، كانت المنطقة بدوية الطابع حيث اعتاد أهلها حمل البنادق في سياراتهم؛ لذا كان من الصعب منعهم من القيادة على الطرق الجديدة ذات الأسفلت الطري.

زيارة ليبيا كانت مغامرة بالنسبة لي أيضاً، فقد تمتعت بحريةٍ وسحرٍ لم أعهدهما من قبل. المخيم الذي سكنَّاه كان قرية صغيرة مسيجة، تسكنها وجوهٌ مألوفة. صار بإمكاني هناك للمرة الأولى في حياتي أن أخرج لوحدي وألعب كما أريد، وأتعرف على أصدقاء. أذكر حمار المعسكر والكلاب، دهشة اللعب بأكياس الشاهي من صناديق القمامة، وخنافس الصحراء الكبيرة، أشياءٌ ما كانت أمي لتقبلها لو أنها علمت بها.

مازلت أتذكر سحر مثلثات الجبنة في العلب الدائرية التي عليها صورة البقرة الحمراء، والحلوى الملونة في برطمانات الدكاكين، والعقرب الميت في برطمان المربي الذي أهداه إلينا -نحن التوأم مواليد برج العقرب- صديق أبي، ولكن تم أخذه منا مباشرة بسبب الخطر الكامن فيه. كان دكان المعسكر يفتح مدة ساعتين في اليوم؛ لذا كان دوماً طابور من الزبائن أمامه، كنا –نحن البنتان الشقراوان التوأم – نغني لهم فرحتين، مشجعتين الباقين لمشاركتنا الغناء.

لكن أهم هذه الذكريات كان الوقت الذي قضيته مع أبي، الذي اشتقت له كثيراً.  أذكر كيف كان يعلمني القراءة والكتابة باللغة البولندية في نفس مخيم الشركة في ليبيا، كانت أول كلمة يعلمها لي هي كلمة "بابا"، وهي تعني "امرأة بدينة" باللغة البولندية، وتتركب من أول حرفين من الأبجدية. بعد عشرين سنة أخبرني صديقٌ عربيٌّ أن معناها "أب". بدا لي أن أبي كان يمزح معي وعلمني اللغة البولندية والعربية في نفس الوقت من دون أن أتفطن لذلك، جامعاً بذلك بين وطنه الأم والبلد البعيد الذي صار يحبه.

اليوم، بعد عشرين سنة أخرى، أنظر إلى خطٍ أصفر على موقع غوغل ماب؛ الطريق نفسه الذي شقه أبي هو ومن مازال يعدُّهم أصدقاءه، وأكتب أولى ذكرياتي عن ليبيا، وأفكر في الأشياء الكثيرة التي تغيرت منذ ذلك الحين في حياتي، في حياة عائلتي، وفي وضع البلدين.

ترجمة: نافع الطشاني

مواليد وارسو، بولندا، خبيرة في العلاقات العامة والتسويق، وأم وكاتبة ومعلمة تقيم وتعمل في بولندا وتدافع عن حقوق الأطفال في المدن.

بياتا باتوشنسكا
Next Story
صورة حُمِّلت بجملة رسائل
Previous Story
البدايات