بريّـبر

"حسن المغربي"

ولد أبو بكر (ابني البكر) في زمن الحرب سنة 2011م، ولم يكن يتجاوز وزنه كيلوغراماً واحداً يوم ولادته. حينما كبرعشق البحر واهتم بالرسم على طريقة بيكاسو، أما هوايته فهي زيارة الأماكن الأثرية، وكان يفضّل على وجه الخصوص السياحة في منطقة بريّبر ووادي النغار الذي يظهر خلفه في الصورة المرْفقة.

تقع منطقة بريبر (أو توفايه) جنوب غرب بنغازي، يكاد يَجهل مكانها عدد كبير من الليبيين، لكنها تعني لنا نحن الكثير؛ كونها تختزل أيام الطفولة حلوها ومرّها، فقد كان والدي يصحبني أنا وإخوتي كلَّ أسبوع إلى هذا المكان لزيارة جدّي، ذلك الرجل الذي كان يحب الأرض ويعلق آماله كلها عليها. في فصل الشتاء كنا نطارد الجرابيع تحت رذاذ المطر، ونبحث عن القمحي، وما إن نعثر على واحدة حتى نقول: "يا قمحية وري جارك، وإلا نقطع ذيل حمارك"، وكان والدي يعلّمنا الفرق بين القمحي ونبات الفطر السام. وفي وقت الحصاد كنا نأكل الْمَثْرودَ الشهي، ونشرب اللبن الطازج. أكاد أجزم أن جدتي أفضل من يصنع  اللبن في بريبر، بل في الدنيا كلها! وفي مطلع الربيع نقوم (بحش القعمول)، لقد كنا جميعاً نتلذذ بطعم هذا (الخرشوف) الذي يحيا كل سنة بالمكان نفسه الذي يموت فيه.

أذكُر أننا في شتاء عام 1995م استيقظنا جميعاً على صياح العمة (آمنة) وهي تطلب النجدة بسبب ضياع قطعانها فاضطر إخوتي إلى الذهاب معها، أما أنا فقد خرجتُ نحو حظيرة الحمام لرؤية فراخ أنتظر فقسها بفارغ الصبر. وبغتة انهمر المطر عنيفاً واندلعت عاصفة هوجاء دمّرت كل شيء، بما في ذلك بيت جدي وقطعان العمة؛ فوجدت نفسي وجهاً لوجه أمام وادي النغار، وكانت هذه أول مرة في حياتي أواجه فيها الموت المحقق؛ ولولا أمي التي أشارت إليّ بيدها وشجعتني على مقاومة التيار لجرفني الوادي ولقيتُ حتفي. ومن المؤسف، حقاً، أن هذه الذكرى ما تزال حية في داخلي.

بعد انصرام سبع سنين من الكارثة وفي غمرة تلك الصور الواجمة صحبني جدي إلى الوادي، وقال لي: "هنا في سيرة (بريبر) دُفِن جميع أسلافك، لقد كانوا معمَّرين باستثناء والدك الذي ضمّه الرَّمْس وهو في منتصف العمر". أذكر أنني سألته: "متى قفلت هذه السيرة؟"، فأجاب (بصوت جهير): "ربما في العام الذي دُفن فيه الشاعر حسن لقطع". لم أكن أعرف بعْدُ مَن هو (حسن لقطع)؛ ذلك الشاعر العظيم الذي غنّى عن الحب والألم بالقوة نفسها التي أدّى بها هوميروس أشعاره الخالدة.

وبينما كانت العقبان تحلق في الهواء على ارتفاع منخفض، ونحن نسير بمحاذاة السيرة، هَمْهَم جدي بكلمات غير مفهومة، ثم بكى على والدي بحُرقة، وذكر لي أن السيرة تعني لدى الليبيين (مقبرة)، وقد أُطلق عليها هذا الاسم من باب الإشارة إلى مآثر الموتى. وفي طريق عودتنا أبصرنا أحجاراً مهشّمة قرب ضريح (سيدي امجيحيد)، تقابلها آثار وآبار قديمة تعكس مدى مهارة أسلافي في تزويد المنطقة بالمياه، وقد ارتبطت هذه الأماكن في ذاكرتي بكثرة الأحنَاش، ولاسيما ذلك النوع الذي يُسمى (بو زرّيق).

وما زلتُ حتى هذه الساعة أشعر بالامتلاء والاعتزاز، وأنا أسير في منطقة بريّبر المثيرة للإعجاب، وأسعد كثيراً حينما أسمع حكاية (الصل الأسود) التي لا تُمل، بالإضافة إلى قصة (أبي كروسة) الذي قضى نحبه في حادث سير؛ فانبثق في المكان الذي مات فيه (عفريت) بعين واحدة مهمّتُه إيهام الزائر، وجعله يدور في المكان نفسه حتى الصباح.

مواليد بنغازي، كاتب وقاص، صدرت له عدة مؤلفات في النقد الأدبي والإبداع المسرحي والتاريخ. خريج جامعة قاريونس، مدير تحرير مجلة رؤى الثقافية.

حسن المغربي
Next Story
من سيرة البير والسانية