ولكن، للآن سأكتفي

"راوية حسين بن حامد"

يتمدد الزمن فارداً بداية يوم السبت السابع والعشرين من أغسطس 2022، فأذكر تفاصيله متمهلة.

أذكر طعام الإفطار، ثم العجل، ثم البطء، والخوف والبطء مجدداً، كلّ هذا مكلل بشيء من السخرية. لا يتوقع الناس الموت بطبيعية، رغم أننا نحاذيه فيجلس في مجالسنا ويقاسمها الأرز والعصبان، وحتى "طويسات الشاهي الأخضر".

المعذرة، هذا تجاوزٌ مني، فأنا أعود بالزمن لليلة الماضية حيثُ تقاسمنا هذا الأكل الوفير وأكثر، يعود الزمن فيتلوّى كدالية وارِفة تخنقني.

يعود الزمن فيصير حارقاً خانقاً، يتجمد الزمن في عروقي في لحظة أغرق فيها كرمال متحركة فتتكرر وتتكرر، كأنها تحفر نفسها في عظامي، كأنها تلغي احتمال أن أنساها، وأنا لن أنساها.

تؤذيني فكرة أن ليبياً يشاركني الوطن وساعات انقطاع الكهرباء الطويلة فعل هذا بي، تؤذيني فكرة أن ليبياً يشاركني ويشارك بابا حبّ هذه الأرض العظيمة تمكن في لحظة ما من إطلاق رصاصة بحجم إصبعي الأوسط كــــ "تباً لكِ" عظيمة يطلقها الكون.

وتطير تلك الرصاصة في ذاتِ اللحظة فيتمدد الزمن ليحتويها وتستقر في صدغ بابا الأيسر لتفجّر مخه، وترسم بقعة حمراء دائرية على فرشةٍ "وسط حوشنا" الحبيب.

لا أتصور أن هذه اللحظة هي مجرد لحظة فقط؛ فأنا مازلت بعد أربعين يوماً أعيشها، مازلت هناك.

حضر الناس وذهب الناس، أقاموا خيمة عزاء ونزعوها، أكلوا وشربوا ثم ضحكوا وضحكت معهم، ولكنني مازلت هناك، تشدني الدائرة الحمراء كثقبٍ أسود خاصٍ بي، أدور في فلكها فيدور حولي الزمن فنتشابك، أنا الآن مع الرصاص الذي اخترق ذاكرة بابا.

ثم أنا مع بابا في سنين مراهقته أدرس لوحدي في غرفة السكن الجامعي بكندا، عملَ بابا بكدّ لإحدى عشرة سنة وحيداً مغترباً يدرس ويدرس ليصنع من دماغه متاهة جميلة كنت أحبّ التجول فيها. استثمر بابا سنين مراهقته وأجمل أيامه يحمّل عقله بالأفكار التي تفجّرت في لحظةٍ عبثية وقحة، ربما لهذا أحبّ هذه البقعة الحمراء كثيراً؛ إنها أفكار بابا.

 

لا تستطيع الكتابة احتواء ما حصل، ولكنها تستطيع توثيقه. ربما أتشجع يوماً فأخطو خطوةً لأقفز لثانية أخرى في زمنٍ موازٍ يكون للفقد فيه مرارة محتملة، أو ربما يصير للموت معنى.

ولكن للآن سأكتفي - وأنا لا أكتفي - بتوثيق ظهيرة السبت السابع والعشرين من أغسطس 2022، حيث كشرت ليبيا عن أنيابها وابتلعت 33 مدنياً دون أن تتكبد عناء التفسير.

مواليد طرابلس، باحثة اجتماعية، قاصة ورسامة، نشرت قصصها وعرضت رسوماتها في عدة منشورات ومحافل في طرابلس.

راوية حسين بن حامد
القصة التالية
جدارية حب
القصة السابقة
تَكْبَر وتفهم