عمّي باسط

"سعد العشة"

علمتُ بحرب تشاد عندما علمتُ بأمر عمّي باسط الذي قاتل هناك وقُتِل، هي معرفة الموت الأولى. كان ذلك في أواسط التسعينات وأنا قرابة التاسعة، حين أخبرني والدي أن الشبّان اقتيدوا من النواصي إلى حربٍ لم يعلموا عنها شيئًا؛ بدأت عبثية في 1978 وانتهت عبثية في 1987. إنّه عقدٌ غائب عن وجود فعلي وعن ذاكرة موثوق في أمرها.

بحثت عن صورٍ لعمّي لعلّي أجد خيطًاً يصلني بوجوده الوجيز، وجدته ضاحكًا في الصور كافةً. ضحكته هنا آسرة كضحكة بنت عمتي لبنى التي يحتضنها، هنا "الحاجر" باحة الليبيين التّليدة. إنه الصباح الباكر على الأرجح؛ فبيتنا يجابه الشرق وباسط ولبنى يواجهان الشمال، يكاد نور الشمس يصطدم بخزان الماء "التّنك" الصدئ. لم أسأل عن تاريخ اللقطة، فما الحكمة في سبر الزمن الذي يفصلنا عن الموت؟

تراثنا الإسلاميّ لا يتشبث بالموتى بوصفهم "أحياء عند ربهم يُرزَقون"، وإن خصّت الآيةُ الشهداءَ بهذا الشرف. أتذكّر أن جدتي لم تنسَ أن جثمان ابنها المراهق لم يصل قط إلى البيت، مأساة باسط هي مأساة الآلاف من الجنود المفقودين جرّاء الحرب، لكن مأساة العوائل لا تحتّم عليهم التفكير في العام بل في التوق إلى وداعٍ خاص، وإن كان في صورة عظامٍ لم تُكمِل هيكلًا.

وجدتُ الصورة عند خالي، ابن خال عمّي، علمتُ أن والديَّ تطلّقا (بعد إنجابي بستة أشهر) قبل أن أعرف أنهما قريبان. ما زالت العائلتان قريبتين بطبائع الأحوال، هما شديدتا القرب بالنسبة إليّ لأنني قضيت طفولتي ومراهقتي بين أخوالي، واستأنفت وجودي في بيت أعمامي، حيث أرى الحاجر الآن في الصورة نفسها أعلاه. ناضل خزان الماء إلى أن قاربتُ الثلاثين من العمر، فهو يكبرني ويشهد على فقدٍ وكسبٍ لم أشهدهما: حضور عمّي وغيابه. لا غرابة في رؤية الصورة عند خالي، فلديه الكثير من الصور لأعمامي، ولأعمامي كثير من الصور لأخوالي.

خفّة الذاكرة تُحتمَل كما يُحتمَل ثقلها أيضاً، قد نشوِّش بخفتها حقيقةَ انفعالاتنا، سيما إزاء الأموات، أما ثقلها فيجرّنا أحياناً إلى تقديسهم. في الحالتين تظل ذكرى عمّي الصورية خارج هيمنة الصورة، وتظل ذكرى البيت عالقة في الحاجر، حيث ملعب الكرة ولمّات الشواء، حيث عاصرتُ "بيت العيلة" في أوج صخبه.

لا وجود لوصفة سحرية للنضج، لا أفكّر كثيراً فيما إذا صارت ذكرى عمّي مختلفة إذا لم أقترن بالبيت وبالعيلة. مات عمّي قبل أن يتم عامه العشرين، لم يحضَ بترف التفكّر الذي أمتهنه هنا، ولم أحضَ بالتعرّف على ما يسري وراء ابتساماته كي ألمس ما قد يخلق سحرا. لبنى وحدها القادرة على ترجمة هذه التجربة، في ذلك المكان وذلك الوقت، نعلم أن المكان يغيّره الوقت، لكن الدار باقية.

عن الدار تعلمتُ في المدارس مآرب الشعر "الجاهلي" وما يحكي الشعراء عن ديارهم، رأيتني أصنعُ عشًّاً متنقلاً لا يضرب جذوراً ولا يخلّف أجيالاً، إنها جذور لا مرئية تلوح في المكان كخيام أسلافي، في حركتها الدائمة وسكونها الملازم. فها أنا أعبر من بيت العيلة الأول في ديار أخوالي، محمّلًا بالانتماء والاستقرار بالمعنيَيْنِ الليبيينِ: أي تبنّي الجماعة بخيرها وشرها، أعبر إلى بيت العيلة الثاني، فأسمع عن عمّي المفقود من جدتي، هي وأنا في حضرة البيت الذي رعاه عقدين غير مكتملين؛ هذا العش المتنقل -وإن كان باطنيًّا- يبيح لي الاستكشاف والتساؤل.

مواليد البيضاء، سينمائي ومترجم وكاتب مقال، نشرت بعض أعماله في عدة مواقع صحفية دولية.

سعد العشة
القصة التالية
آسر يحاول أن يوقع الكتب معي
القصة السابقة
أشياء في منتهى السعادة