الحوت الليبي في لبنان

"وائل حسونه"

عندما أتيت إلى لبنان منذ 14 سنة لم أكن أتحدث اللهجة اللبنانية بطلاقة، وكنت محط ضحك بعض أقاربي الذين كانوا يستلمونني فوراً عند وصولي ويبدأون بالتندر .

طبعاً في البداية عرفت أني لن أكمل هكذا وأنني سأتحول إلى أضحوكة إذا لم أتقن اللهجة هنا؛ فبدأت بتدوين كل كلمة جديدة في دفتر صغير كنت أراجعه يومياً قبل أن أنام. كنت أدون كل شيء بدون الانتباه إلى فوارق اللهجات المحلية المختلفة، فأصبحت لهجتي هجين يصعب معه تحديد من أي منطقة أكون، ولا أخفي أن ذلك أراحني كثيراً.

طبعاً بقت بعض الكلمات الليبية تفلت من حين لآخر، خصوصاً عند تطرف المشاعر كغضب أو سباب أو غزل: "نجِك ليَّا" كلمة الغزل الوحيدة التي أجيدها!

ساعدني على التأقلم في المجتمع هنا التعرف على لبنانيين أقاموا في ليبيا وهو أمر نادر قليلا. تعرفت أيضا على صديق عزيز اسمه طارق، ليبي من أم لبنانية، كان يعيش بين ليبيا ولبنان حيث كان يتابع دراسته هنا.

 

طارق كان يتشابه معي في التركيبة الذهنية والثقافية ويخوض مثلي معركة التأقلم؛ لكنه كان متقدماً عليَّ بأشواط فيها، لذلك كنا عندما نلتقي ننحي اللهجة اللبنانية التي أشبهها بالكمان جانباً لنبدأ بالتحدث باللهجة الليبية (التي تشبه إيقاع الدرامز)، وننطلق!

ذات يوم أردت أن آخذ طارق معي إلى البحر في جبيل، كان طارق مثلي يعشق الصيد بالبندقية المائية لكنه لم يجد من يشاركه هذه الهواية هنا إلا عندما التقى بي، فتحمس كثيراً للمشوار، واشترى عدة صيد جديدة وذهبنا إلى شاطئ جبيل.

طبعاً لم نكن معتادين على كثافة المرتادين للبحر، ففي ليبيا شواطئ عذراء مترامية الأطراف، جميلة جداً على مد النظر؛ الامر غير الموجود في لبنان .

نزلنا إلى الشاطئ وسبقت طارق إلى الماء، وما إن أمسكت بندقيتي المائية ووضعت الماسك على وجهي حتى رأيت سرباً من أسماك البوري كبيرة الحجم تمر بجانبي، فرفعت رأسي من الماء وصرخت له :"حوت حوت، انزل بسرعة؛ في حوت!"

فنظر إليَّ نظرة وأشار لي بيده من على الشاطئ بمعنى "وسِّع بالك". وضعت رأسي مجدداً داخل الماء لكن أسراب البوري مرت بجانبي مرة أخرى؛ فرفعت رأسي مجدداً وصرخت :"والله في حوت، أقسم بالله، انزل هيَّا."

وهنا بدأ صراخ الناس وهروبهم من الشاطئ، ومن كان عنده أولاد بدأ يلملمهم من الماء ويهرب بهم؛ الأمر الذي لم أفهمه! استمر الهرج لدقيقة حتى أصبح الكل واقفاً على الشاطئ يحدق بي من بعيد، وأنا كالأطرش بالزفة أتلفت حولي ولا أعرف ما يحدث. بدأت أسير نحو الشاطئ ببطء حذر، وعندما اقتربت وجدت ثلاثة أشخاص من الإنقاذ البحري يحيطون برفيقي وبدأو ينادون عليَّ بالميكروفون بأن أخرج من الماء.

خرجت من الماء ليسألني أكبرهم سناً سؤالاً فسر لي كل شيء:

"وينو الحوت؟ قديش طوله؟"

كان معه صاحب المسبح محتقن الوجه يكاد يبكي، أما صديقي المسكين الذي عرف القصة كلها بسرعة فكان ينظر إليَّ بسخط وهو يتمتم بمرارة وبصوت هامس :"الله يخرب بيتك، الله يخرب بيت اللي عرَّفني بيك".

هنا أيقنت أنه من المستحيل أن أقول لهم إن (حوت) بالليبي تعني (سمك)، وأنه حتى سمكة السردين الأقل من سنتيمتر تسمى في ليبيا حوتاّ؛ لذا مضيت أكذب أني رأيت حوتاً حتى لا يفرُمَنِي صاحب المسبح المسكين الذي عاش أسوأ موسم له في حياته.

منذ قليل، بعد 14 سنة، اتصل بي أحد الأصدقاء يريد أن يذهب للغوص. عندما اقترحت عليه شاطئ جبيل سمعت خطيبته تصيح به: "لا، لن تذهب؛ المنطقة ظهر بها حوت من قبل".

مواليد البيضاء، لعائلة لبنانية، درس بجامعة الجبل الأخضر بالبيضاء. كاتب ومدرب للغوص.

وائل حسونه
القصة التالية
أربعة من العطاش
القصة السابقة
ما تبقي من ذاكرة اختفت